محمد الحرز
محاولة الاغتيال التي تعرض لها مساعد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف الأسبوع الماضي من طرف القاعدة تلقي بظلالها على شكل المواجهة بين الطرفين: بين الدولة والمجتمع من جهة وعناصر القاعدة من جهة أخرى. لكن مواجهة الإرهاب والعنف هو غيره عندما نواجه التطرف. فالإخلال بالأمن العام وقتل المدنيين وخطفهم وتفجير المنشآت ممارسة إرهابية يجب التصدي لها من طرف الدولة وهذا ما نجحت فيه وزارة الداخلية بامتياز. أما التطرف فهو يمس الفكر والسلوك الثقافي والاجتماعي بالدرجة الأولى ومجال مقارعته ليس الدولة بأجهزتها ومؤسساتها فقط, وإنما للمجتمع دوره في هذا الإطار بل إن التعاون المثمر بين الاثنين حتما سيؤدي إلى قطع الشريان الذي يغذي الإرهاب وهو التطرف بشتى أنواعه. بالتأكيد بذلت الحكومة جهودا جبارة في محاصرة الفكر المتطرف ومحاولة تجفيف منابعه سواء عبر الحوارات الوطنية والمؤتمرات واللقاءات والأنشطة الثقافية والبرامج التربوية والبحوث والتي جميعها تصب في التوعية من مخاطر التطرف على المجتمع, وأيضا برنامج المناصحة التي قامت به وزارة الداخلية للتائبين عن الفكر المتطرف. لكن مسألة التطرف الفكري أكثرا تعقيدا وتتطلب الصبر في المعالجة والنتائج. ناهيك عن الدور الفعال الذي تقوم به مختلف فئات المجتمع لما له صلة قوية بهذه المعالجة ومدى نجاعتها من عدمه, لذلك بناء على ما أنجز في هذا الإطار أرى أن هناك ثلاثة مؤسسات كبرى لم يتم التنسيق فيما بينها لتعزيز جهودها ضد انتشار الفكر المتطرف, وعلى رأس هذه المؤسسات تأتي مؤسسة التعليم ومن ثم مؤسسة الإعلام والثقافة ومن ثم المؤسسات الأهلية الخيرية. وما نعنيه بالتنسيق هو السعي إلى عمل برامج مشتركة وفق خطة استراتيجية موجهة ينخرط فيها جميع المهتمين بالشأن العام من أساتذة وأكاديميين ومثقفين. ربما يرى البعض هذا الأفق من الرؤية والنظر إيديولوجيا صارمة وراديكالية مغلقة تلغي الاختلاف وحريته على حساب ثقافة موجهة. ربما هي نصف الحقيقة ولكن نصفها الآخر يقول: إن تعاظم خطر التطرف الفكري على المجتمع سوف يؤدي إلى حروب طائفية تهدد أمن المجتمع ونسيجه وبالتالي الدولة من العمق. لا نريد لبلدنا أن تكون نسخا أخرى لما جرى في العراق أو الباكستان أو افغانستان. لنكن صريحين لا زالت هناك فئات اجتماعية تمارس وعيها المغلوط في النظر إلى مفهوم التدين والالتزام والجهاد والآخر بفاعلية كبيرة. هذه الممارسة تأتي في أغلب الأحيان عبر مواقع من داخل مؤسسات الدولة نفسها. خذ على سبيل المثال مؤسسة التعليم كإحدى أكبر وأهم مؤسسات الدولة رغم الجهود التي بذلت في تصحيح المناهج التعليمية والتوعية المكثفة عبر الأنشطة الثقافية والتربوية والإعلام المركز, غير أنها جهود لا تكفي بالنظر إلى حجم المؤسسة وتشعباتها من جهة وحجم التغلغل لمثل هذا الفكر المتطرف من جهة أخرى. المراجعة الشاملة هي المطلوبة في هذه المرحلة. ما المقصود بهذه المراجعة؟ المقصود بالدرجة الأولى استيعاب التجارب التاريخية التي واجهت خطر التطرف والإرهاب وذلك من خلال مراجعة القيم التي تأسست عليها, ويمكن الإشارة هنا إلى مدرسة «فرانكفورت النقدية» التي تأسست في ثلاثينيات القرن المنصرم على أثر تفشي ظاهرة النازية في أوروبا. هذه المدرسة بقيادة تيودور أدرنو وهوركهايمر وآخرين وضعت على المحك كل قيم التنوير الأوروبي الموروثة ولم تألوا جهدا في تشريح التطرف العرقي النازي وإرجاعه إلى علاقته المباشرة وغير المباشرة إلى تلك القيم. وهناك الكثير من الشواهد على مثل هذه المراجعة. لذلك استيعاب مثل هذه التجارب يؤمن لنا المسار الصحيح في مواجهة مثل هذه الظواهر. حيث الأسئلة الكبرى التي لا زالت تراوح مكانها مثل: لماذا التعليم عبر تاريخه لم يؤسس لروح المواطنة في أبناء هذا الوطن؟ هل يعود السبب إلى الطبيعة الجغرافية والثقافية والاجتماعية للبلد أم إلى سياسات التعليم وغياب الوعي النقدي المصاحب لها؟ لماذا الانسجام والعمل الجماعي مفقود بين مؤسسات الدولة الكبرى في محاربة هذه الظاهرة؟ هذه الأسئلة وغيرها في ظني تجعلنا بالضرورة نبحث عن لغة مشتركة ننطلق منها للعمل المشترك, وهذه اللغة لا بد لها أن تبدأ بتحديد المفاهيم: كالتطرف والتدين والدولة والمواطنة..إلخ.Mohmed_z@hotmail.com