حسن السبع

حسن السبع

لا يقصد رجال المال والأعمال تعكيرَ مزاج حراس اللغة وفقهائها. لكن هؤلاء الحراس حريصون على نقاء لغة الضاد، والدفاع عنها أمام غزو المفردات العامية والأجنبية على السواء، وملتزمون بالتصدي لعبث العابثين بقواعدها، لذلك تستفزهم تلك التجاوزات. والحديث هنا ليس عن تجاوزات رجال الأعمال اللغوية وهم يلقون خطبهم في بعض محافلهم الخاصة، حيث يُنْصَبُ في محلّ الرفع، ويُرْفعُ في محلّ النَّصب، ويُصْرفُ ما لا ينصرف. لقد جسَّد ذلك خير تجسيد رجل الأعمال (حسين بن صامت) وهو يلقي كلمته العصماء أثناء اجتماع مجلس إدارة الشركة في المسرحية الكوميدية (بني صامت). لكن الحديث هنا عن إعلانات التجار في الصحف. فقد يخيل لمتصيد أخطاء هذه الإعلانات بأن المعلن قد حصل على تفويض من سيبويه أو نِفْطَويه يجيز له ارتكاب تلك الأخطاء. الأمر ليس كذلك، ولكنهم يطبقون مثلا لا نعرفه يقول: «كلما ازداد لحنُك نَمَت ثروتك».. وقد يكون ذلك صحيحا. فلو تفرغوا للنحو والصرف وتوابعهما لما نمّوا أعمالهم التجارية، ولانضموا إلى قائمة الصعاليك ممن أصابتهم حرفة الأدب. إن الرد على من يطالبهم بتوخي الدقة في إعلاناتهم سيكون مشابها لرد الملاح على أستاذ اللغة الذي سأله: هل تجيد النحو والصرف فقال الملاح: لا. قال الأستاذ: لقد ضاع نصفُ عمرك. وعندما هبَّتْ عاصفة سأل الملاحُ أستاذَ اللغة: هل تجيد السباحة؟ قال الأستاذ: لا. قال له الملاح لقد ضاع عمرك كله. والأدباء والنحاة، ومن لف لفهم، لا يجيدون السباحة في محيط المال والأعمال، وقد أضاعوا أعمارهم بين معاجم اللغة، ومات بعضهم وفي نفسه شيء من حتى. سيجد المتابع لبعض الإعلانات التجارية في الصحف العجب العجاب. وأرجو من الأخ المصحح أن يترك العبارات التالية دون تصحيح. هنالك إعلان يقول: «مطلوب مندوبين مبيعات». وآخر يقول: «قم بزيارة معارضنا (واستفيد) من العرض الخاص» وهكذا دواليك.. نعرف أن هنالك من يهوى جمع الطوابع، وآخر يهوى المراسلة، وثالث يهوى حل الكلمات المتقاطعة، وإلى آخر الهوايات المتعارف عليها في صفحات التعارف قبل عصر الإنترنت. لكني علمتُ مؤخرا أن أستاذا جامعيا قد اختار تصيد أخطاء الإعلانات التجارية في الصحف وتصحيحها هواية له. ثم تحولت تلك الهواية إلى قضية مصيرية يكرس لها جلّ وقته، ويدبج فيها المقال تلو الآخر. فكأنه دون كيخوتة هذا الزمان وهو يحارب طواحين الهواء. قد يتنازل شاعر عن تعبير جميل لأنه يخلّ بقواعد اللغة، أو لأنه ليس من الجوازات التي منحها أساتذة العروض للشعراء. وردت، مرة، كلمة (شلاَّل) في إحدى قصائدي، وحين بحثت في لسان العرب عن الكلمة لم أعثر عليها.. ووجدت بديلا لها كلمة (شلشال) شلشل الماء، وتشلشل السيف الدم.. وليت الأمر بقي عند هذا الحد.. فقد نزل ابن منظور بهذا الفعل إلى شأن يتعلق بالضرورات الإنسانية كالبول فقال: «وشلشل بوله: فرقه وأرسله منتشرا..» عندئذ تمنيت أن يوسعوا من جوازات الشعراء قليلا.. فلا تقتصر على بعض التجاوزات النحوية فقط، بل تمتد إلى جوازات أو «تجاوزات» أوسع.. ولم أطمئن إلى صحة كلمة (شلاَّل) إلا عندما وجدتها في (المنجد في اللغة والأعلام).. هكذا تحوّلت عبارة: «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره» لتصبح «يجوز للتاجر ما لا يجوز للشاعر»! لعل للتاجر عذرا ونحن نلوم. فالإعلان يخاطب العامة وهم الشريحة الاجتماعية الكبرى التي يعول عليها التجار. لذلك فهم يحدثون الناس بما يعقلون.. ويتبعون، ولو لم يدركوا ذلك، نصيحة العالم اللغوي أبي القسم بن برهان الأسدي الذي يقول: «إياكم والنحو بين العامة، فإنه كاللحن بين الخاصة». ووفقا لرأي ابن الجوزي فإن ملاحظاتي هذه قد تكون من باب الحمق والتغفيل.لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك الحد، فرجل الأعمال الناجح لا يهمه سوى تنمية أمواله، ومضاعفة مكاسبه، ولذلك فهو يخاطب العاملَ الوافدَ بالطريقة التي يفهمها العامل. وعليه أن يجاريه، ويقلد طريقته في الكلام، بدلا من أن يجاري العاملُ ربَّ العمل ويتعلم لغته. ذلك أن وقت التاجر من ذهب، وحسه البراغماتي ينبئه أن نسبةَ صواب أمر من الأمور إنما تكمن في نسبة نجاحه العملي. فيا حراس اللغة استريحوا وأريحوا.hsn_saba@hotmail.com