محمد الحرز

محمد الحرز

لا يحظى الشعر بموقع مهم عند الكثير من الإسلاميين المشتغلين بالفكر النقدي.هناك نوع من الفجوة بين إيمانهم المطلق بالفكر بوصفه مراجعة نقدية لكل الآراء والأفكار التي حكمت تاريخ الفكر الإسلامي,وبين الشعر باعتباره الحاضن الأكبر لمنظومة القيم الدينية والاجتماعية والثقافية التي قامت عليها حياة العرب منذ ما قبل الإسلام إلى الآن.صحيح أن وجود مثل هذه الفجوة لا تقتصر على كتابات الإسلاميين,بل حتى عند بعض الكتاب الليبراليين والقوميين الذين لم يعطوا جانب الشعر أهمية فكرية في مجمل كتاباتهم إلا أن هناك نماذج لها حضور طاغ فيما يخص هذا الجانب في الساحة الثقافية العربية,وأدونيس هو أبرز نموذج هنا.البعض من هؤلاء الكتاب بجانب اهتماماته الفكرية والفلسفية اهتم بالأدب وترجمته خصوصا ما يتعلق بالرواية الغربية وخطابها النقدي الجمالي, ويمكن الاستدلال على جورج طرابيشي كواحد من هؤلاء المشتغلين في الحقلين الفكري والأدبي.وكذلك عبدالله العروي وعبدالكبير الخطيبي وآخرين غيرهم .بالتأكيد هناك تاريخ طويل من الكتاب الذين اشتغلوا بهذين الحقلين معا كطه حسين وعباس محمود العقاد وعبدالرحمن بدوي وحتى أيضا من الإسلاميين أيضا كسيد قطب في بداية حياته الفكرية.ولكن ما نقصده بالفجوة بين الاثنين هو تحديدا أن يكون الشعر والفكر وجهان لعملة واحدة في خطابات المثقفين, وهذا التحديد لم نجده إلا عند أدونيس بوصفه مفكرا وشاعرا.إنها نوع من اللحمة التي يصعب الفكاك منها إذا ما أردنا أن نعلي من شأن جانب من إبداعه على حساب جانبه الآخر.إن ما يميز أدونيس عن غيره من الكتاب في هذه النقطة بالتحديد هو أن الشعر عنده أصبح طريقة تفكير في الوجود وليس أسلوبه الكتابي بشكليه الشعري والفكري سوى نتاج هذه الطريقة في التفكير.البعض ينظر إليها باعتبارها نتاج رؤية تصوفية عنده.لكن ما يهم بالنهاية هو أن الشعر هو عنصر مهم في تشكل وعيه الفكري والفلسفي على قرار الكثير من الفلاسفة المتصوفين الذين أنزلوا الشعر منزلة كبرى في مجمل نظام تأملاتهم الفكرية والاجتماعية والإنسانية والجمالية,ليس بدءا من فلاسفة المتصوفة المسلمين الكبار كابن الجنيد وعبدالكريم الجيلاني وابن عربي وجلال الدين الرومي وليس انتهاء عند نيتشه وهيدغر وإميل سيوران.هناك من المفكرين من اتخذ الشعر والأدب على وجه العموم وسيلة لتضمينها أفكاره وآراءه الفلسفية كابن سينا قديما وبعض المتكلمين من الفرق الإسلامية المختلفة كوسيلة منافحة ضد الآخر المخالف عقائديا, وحديثا الفيلسوف سارتر على سبيل المثال في مسرحياته التي تجسد فلسفة الوجود.والفرق كبير بين النموذجين : بين من يكون الشعر جزءا من نظام تفكيره وبين من يكون الشعر أحدى الطرق والوسائل التي نستخدمها لنشر أفكارنا وآرائنا,ناهيك عن استخدامه كوسيلة أصلا من فرط الإهمال والنبذ. النموذج الأخير هو الأكثر انتشارا في ثقافتنا المحلية,فالبعض من الكتاب الإسلاميين «الشباب» المنفتحين على الفكر الغربي استلهاما ونقدا لم ينتبهوا إلى مكانة الشعر في تاريخ الفكر الأوروبي بوصفه حجر الأساس في تطوره فلسفيا ومعرفيا وجماليا. فأشعار هوميروس وهزيود في القرن الثامن قبل الميلاد عند الإغريق هي القاعدة التي انبنى عليها لا حقا الفكر الفلسفي اليوناني وتطور.نظرية المثل عند أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد ليست سوى تركيب بديع وإعادة إنتاج خلاق لهذه الأشعار وما جاء بعهدها من نظريات وفلسفة,رغم طرد أفلاطون من جمهوريته الشعراء,وهذا بحث آخر ليس مجاله هنا.أما هذا التغافل أو الإهمال عند هؤلاء الكتاب له أسبابه الثقافية الموروثة من أهمها في نظري سبب ابيستمولوجي يتصل بتصنيف المعرفة في الفكر الإسلامي حيث التقليد المتوارث هو أن العلوم الدينية أرقى وأسمى من العلوم النقلية,فضلا عن كون الشعر يحمل قيم في مجملها أبطلها الإسلام أو حاربها وأخرجها من القيم والتعاليم الإسلامية الأصيلة.وهناك سبب آخر يتصل في كون مفهوم المعرفة عند هؤلاء يرتبط بمفهوم آخر وهو الأخلاق والفضيلة وهو تقليد عريق في الثقافة الإسلامية من حيث اقتران النظر بالعمل.من جانبنا ليس ذكر هذه الأسباب هو وصف معياري يقلل من شأنها, ولكن فهم هذا الإهمال لا بد أن يمر عبر أسبابه التاريخية الموضوعية كي نصنع من اختلافاتنا حوارا يستدعي العميق من وعينا الثقافي الموروث.Mohmed_z@hotmail.com