حسن السبع
قد لا يصلح هذا الاقتراح الداعي إلى ملازمة البيت في كل الظروف والأوقات. فعندما تكون في منتجع جميل، على شاطئ هادئ نظيف برمال لبنية، حيث النسيم الرقيق والشمس الحنون يعزفان سيمفونية العذوبة، ومظلات وطاولات ونُدُلٌ ينتظرون إشارتك، ليأتوك بطلباتك مصحوبة بابتسامات عريضة، وتكون بصحبة محدّث ذكي «كأنَّ تحت لسانه هاروت ينفثُ فيه سحرا»، فإنه لا معنى، أمام كل هذه الإغراءات، لبقائك وحيدا في الغرفة، تعبث بجهاز التحكم عن بعد، أو تنادم (اللاب توب) ما لم تكن إيجابيات البقاء في الغرفة تفوق إيجابيات الخروج. فالعزلةُ، إذا لم تكن منتجة، مرضٌ وانطواء. للخروج من البيت مبررات كثيرة، ومنها السعي لتأمين خبزنا اليومي، أو السعي إلى تحصيل العلم، أو لحضور فعالية ثقافية أو علمية، أو لعقد صفقة تجارية، أو للانضمام إلى حلقة بالوت (كل شيء يعتمد على اهتماماتك). وقد يكون الخروج نهائيا على طريقة المسلسل الكويتي (خرج ولم يعد) عندما تصبح الحياة في البيت، بين ضرتين، أو مع (ضررٍ) واحد، جحيما لا تطاق. للبقاء في البيت أيضا مبرراته. ومن تلك المبررات ما جاء على لسان الشاعر ابن لنكك (أبو الحسن محمد بن لنكك البصري من شعراء القرن الرابع الهجري) فقد سئل عن سبب ملازمته للبيت، فبرر ذلك على النحو التالي: «وقالوا: قد لزمتَ البيتَ طرَّاً/ فقلتُ: لفقدِ فائدة الخروجِ/ فمن ألقى إذا أبصرتُ منهم/ قرودا راكبين على السروجِ»! وبناء على تلك القناعة اتخذ قرارا عنوانه: (خليك بالبيت). ولّى عصر السروج والخيول والبغال والحمير بعد أن تطورت وسائل المواصلات، لكن لو عاش هذا الشاعر إلى أيامنا هذه لكانت لديه أسباب أخرى للبقاء في البيت.ويشارك أبو العلاء المعري ابن لنكك هذا الميل إلى العزلة والانقطاع عن الناس، كما يشاركه وجهة نظره في الراجلين أو الراكبين على السروج، إن لم يكن رأي المعري أشد صرامة وقسوة.. لكن المعري لم يكن سلبيا إلى ذلك الحد، ولم يفقد ثقته بالناس بشكل تام، وإن دأب على انتقادهم.. ومع ذلك فقد فرض على نفسه ملازمة بيته في معرة النعمان، وطلب إلى أهلها ألا يخرجوه من البيت حتى لو أغار الروم على المدينة! كانت ظروف المعرّي تختلف عن ظروف ابن لنكك، وكان لفقدان بصره دور كبير في هذه العزلة، غير أنها لم تكن عزلة بليدة آسنة.. فلم يكن الرجل منفصلا عن الواقع بعيدا عن همومه، بل كان يحمل مجتمعا بأكمله في رأسه.. فهو المنفصل المتصل، والبعيد القريب. لكن البقاء في البيت، هذه الأيام، لا يحول دون تسلل اضطرابات العالم ومشاكله إلى غرف النوم، بعد أن تطورت وسائل الاتصال التي تقاوم العزلة.. ولا يحول دون أن تشاهد على شاشة التليفزيون أولئك الذين امتنع ابن لنكك عن الخروج من البيت بسببهم، وهم يملأون الفضاء جعجعة. خليك بالبيت! اقتراح ضد التسكع المفرغ من المعنى والهدف.. لكن هنالك مبررات أخرى للبقاء في البيت.. من ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الاختناقات المرورية، وتصرفات بعض السائقين، وممارسات مرتادي المتنزهات ومستخدمي المرافق العامة.. وكل أوجه التعامل غير الحضاري التي تشوّه صورة الحياة.. ولو حسبناها على طريقة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتعلقة بفنون البخل والواردة في حكايات البخلاء من هواة الجمع والمنع، فإن للمكوث في البيت فوائدَ كثيرةً لا تحصى.. فللخروج في الأيام المغبرة تأثير سلبي على الصحة، ناهيك عن التعرض لما تنفثه عوادم السيارات، وكذلك الأضرار الناتجة عن التلوث الصوتي الذي يحدثه أصحاب السيارات والدراجات النارية الذين يملأون الحارات صخبا وتفحيطا وشغبا وحوادث. وبطريقة جاحظية فإن ذلك قد يفاقم مشكلة التلوث البيئي، ويضاعف نفقات العلاج، ويزيد من استهلاك البنزين والزيت، ويتسبب في تآكل عجلات السيارة وفحمات الكوابح، وتخلخل أبوابها.. وكل مخدوم معدوم كما يقال. أضف إلى ذلك ما يسببه المتهورون والمخالفون لأنظمة المرور من حوادث، وما تسببه رؤية المخالفين لأصول اللباقة الاجتماعية من ارتفاع في الضغط وزيادة في نسبة السكر في الدم .. فإذا رأيت هذه الأسباب مقنعة فـ (خلّيك بالبيت) ولا تخرج منه إلا لسبب وجيه. hsn_saba@hotmail.com