محمد الحرز
يطرح الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي مصطلح «علمنة الثقافة» وهو يقصد من ورائه الثقافة الغربية بالدرجة الأولى. ولكن ما دلالة هذا المصطلح عنده, وما أهم الدوافع التي أدت به إلى أن يرفعه إلى مستوى الضرورة ومن ثم المطالبة بتطبيقه؟ في أغلب حواراته, وحتى في كتابه الأشهر الصادر في السبعينات «الفلسفة ومرآة الطبيعة» كان يشير إلى أن الفلسفة انتهى دورها بوصفها المعرفة المهيمنة على بقية المعارف والعلوم الأخرى, ولم تعد على رأس القائمة في تصنيف المعارف الأكثر أهمية في الزمن الراهن, ولا تحظى بالتبجيل كما حظيت به عبر مراحل تاريخها الممتد. والسبب كما يؤكد التطور الاجتماعي الذي ارتبط بتطور العلم والتقنية حيث ارتهن مستقبل الإنسان بهما في سيطرة شبه كاملة عليه. هذا السبب اشترك في تبنيه البعض من الفلاسفة كفيلسوف الهيرمينوطيقا (التأويل) غادامير, وهيدغر, هابرماس, ورغم الاختلاف فيما بينهم حول الوظيفة والدور اللذين يمكن أن تؤديهما الفلسفة في ظل هذه التحولات إلا أنهم يؤكدون على أن الفلسفة أخلت مكانها للعلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية, ولم تعد في برجها العاجي. من جهة أخرى يدعم مثل هذا التوجه في الفكر الفلسفي الغربي ما شهده الفكر نفسه في النصف الثاني من القرن المنصرم من شيوع فكرة النهايات التي طالت البنيوية والإنسان والمؤلف والأدب وأخيرا الفلسفة والبلاغة في تحول ديناميكي يشهد على حيوية الفكر نفسه. لكن يجب أن ننوه هنا إلى ضرورة التفريق في الفلسفة- عند هؤلاء الفلاسفة- بين وضعيتين: الأولى ما تسمى بالفلسفة النسقية التي حكمت تاريخ الفلسفة من أفلاطون وأرسطو إلى كانط حيث الثنائيات ومنطق الماهيات والصور والبحث عن الحقيقة من خلال تمثل الأشياء والإيمان المطلق بالتقدم من خلال العقل والفكر, والقبض على الواقع من خلالهما أيضا (هيغل). أما الوضعية الأخرى فهي وضعية الفلسفة في تيارات ما بعد الحداثة وهي وضعية تمحورت حول فلسفة اللغة حيث «تركزت الجهود صوب اللغة وإعطائها مكانة هامة ضمن اهتمامهم لتحوز بذلك مركز الصدارة إلى درجة أن أصبح الحديث في الفكر الفلسفي المعاصر عن المنعرج أو المنعطف اللغوي the linguistic turn والذي يبدو أنه كان حاسما في طرح القضايا الفلسفية أو بروز مواضيع فلسفية جديدة ما كانت لتطرح وتعالج قبل هذا المنعرج. الحداثة وما بعد الحداثة – محمد جديدي. ص241. كان النقد الموجه عند هؤلاء الفلاسفة يخص الوضعية الأولى للفلسفة. لذلك نرى ريتشارد رورتي يوظف دلالة العلمنة في هذا المصطلح ليسحبه على الثقافة. حيث يؤكد من خلاله على أنه إذا كانت معركة علمنة الحياة السياسية قد حسمت فينبغي أن تمتد هذه العلمنة إلى الحياة العامة وإلى ميادين الثقافة فتنتزع ذلك التتويج والتفوق الذي يحلو للفلسفة أو حتى للعلم أن يحتكر فيه الحقيقة ويمارس فيه نوعا من الأبوية على الميادين الأخرى. لكنه في واقع الأمر لا يوسع من دلالة هذا المفهوم, بل يبدو لي هو نتيجة تراكم نقدي وملاحظات على تاريخ الفلسفة وكأنه مفهوم يتوقف في منتصف الطريق. صحيح أن ريتشارد رورتي يخبرنا أن الفلاسفة وجدوا ضالتهم في نظرية المعرفة (أي البحث في التصورات والمناهج التي تشكل كل علم) الذي سوف يخلصهم من عبء التناقضات والتضاربات التي عاشتها النظريات الفلسفية عبر تاريخها الطويل. لكنه لا يقترح رؤية بفلسفته البراغماتية حول الكيفية التي تنهض عليها العلمنة من خلال الحياة العامة. وكأني أرى أن البحث عن الدور الفلسفي فقط عنده لهذه المسألة هو إعلاء من شأن الدور المناط للفلسفة على حساب بقية العلوم. وهو وقوع في جاذبية الفلسفة وهيمنتها مرة أخرى. إن خلاصة ما أود طرحه في هذه المقالة من خلال هذا العرض والتحليل لأشير إلى دلالة مهمة وهي المسافة الحضارية بيننا وبين الغرب. هذه المسافة لا يمكن قياسها ومن ثم استيعابها إلا إذا أعدنا تموضعنا داخل الفكر الغربي ليس بالطريقة التي يطرحها بعض المفكرين وهي طريقة الاستغراب بإزاء الاستشراق, وإنما بطريقة استيعاب النظريات الفكرية التي تحث على المثاقفة بين الشعوب والمجتمعات كما هي نظرية هابرماس في التواصل ورورتي في المحادثة..Mohmed_z@hotmail.com