حسن السبع
لو يدرك المناوئون لأشكال التحديث أنهم يحاربون طواحين الهواء، ويخوضون معارك خاسرة، لوفّروا على أنفسهم عناء التجديف ضد التيار.. كل الشواهد التاريخية تدل على امتناع العودة إلى الوراء، وكلها تشير إلى أن ماراثون التطور المبدع لم يتوقف منذ فجر التاريخ .. فالصمت تحوّل إلى إشارات وهمهمات، وهذه تحوّلت إلى كلمات .. لتتشكل اللغة ولتتطور تدريجيا من لغة تلبي الاحتياجات الآنية إلى لغة الحلم والمجاز الشعري.. أما الاقتتال الشرس على فريسة تؤكل نيئة، حيث البقاء في هذا الصراع للأقوى، فقد تحوّل إلى طاولة طعام أنيقة مزدحمة بالأطباق والكؤوس والمناديل والشموع والموسيقى الحالمة. ومن مرحلة كان الإنسان البدائي فيها «يعيش ليأكل» إلى مرحلة صار الإنسان فيها «يأكل ليعيش» وينتج ويبتكر ويساهم مع نظرائه في عمارة العالم .. أما لحاء الأشجار والألياف والأوراق التي «ارتداها» الإنسان الأول فقد تطورت إلى أزياء ذات ماركات عالمية شهيرة .. أما الساعات الشمسية والمائية والرملية فقد تطورت إلى ساعات جيب، ثم إلى ساعات يد إلكترونية .. والأرض والفضاء اللذان كانا غامضين تم اكتشافهما بشكل مناقض للتصورات التي ضمنها محمد بن إياس كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور).. ولا مجال هنا لاستعراض أمثلة أكثر، فالقائمة تطول.. قد يعيد التاريخ نفسه أحيانا، وقد تعاق حركة التقدم إلى حين، إلا أنها لا تتوقف، وما لم يكن مقبولا بالأمس أو اليوم سيصبح ضرورة حياتية غدا. الناس أعداء ما جهلوا.. وفي باريس القرن التاسع عشر دأبت مجموعة من النكرات على رسم ما لا يتفق مع الذائقة السائدة آنذاك .. جاء هؤلاء (الحمقى المرفوضون) فخلخلوا المفاهيم الفنية المتعارف عليها، وصدموا الذائقة السائدة. رفضت محاولاتهم تلك وبُصق عليها.. وعُرضت اللوحات في صالون «النفايات المرفوضة».. واليوم يتسابق الأثرياء ودور العرض الكبرى على اقتناء لوحات أولئك «الحمقى» بملايين الدولارات.كذلك أصابت الحداثة الأدبية ذات يوم مناوئيها بصدمة عنيفة، استغرق علاجها زمنا طويلا، ولم تزل آثار تلك الصدمة باقية إلى يومنا هذا.. اعتبرت قصيدة التفعيلة ومن بعدها قصيدة النثر شكلا من أشكال الهرطقة، أو بتعبير أقل حدة، خروجا على المألوف.. وهي فعلا خروج على السائد والمألوف.. فالشعر ليس قوالب جاهزة يرثها الخلف عن السلف، وهو ليس محاكاة لنموذج سابق، فلم تنتج المحاكاة إبداعا في أي حقل من حقول الثقافة، لكن الشعر، كما يعبر النقاد، انزياح من مدار المفردة الضرورة إلى مدار المفردة الحلم. وعلى الصعيد الاجتماعي، فقد أقام مناوئو التعليم الحديث، يوم افتتحت أول مدرسة بنين في القرية، الدنيا ولم يقعدوها.. اعتبر ذلك خرقا للتقاليد والعادات (تقاليد الكتاتيب وعاداتها).. وعندما افتتحت أول مدرسة للبنات كان مد الاعتراض على ذلك قويا جارفا.. لكن الأب هذه الأيام لا تقرّ له حال، ولا يهدأ له بال حتى يقبل ابنه أو ابنته في الجامعة.. أجَّل قريب لي من المناوئين للتعليم الحديث التحاق ابنه بالمدرسة سنوات، ثم استسلم بعد ذلك وتوقف عن التجديف ضد التيار.. رحل الرجل بعد أن خلّف (كتيبة) من الحفيدات والأحفاد العاملين في مجال الطب والتخصصات العلمية الأخرى. كانت النساء المسنات، آنذاك، يتحجبن عند سماع صوت المذيع في الراديو، ولم يكن في القرية، آنذاك، إلا ثلاثة تليفزيونات.. أما اليوم فقد يكون في البيت الواحد أكثر من أربعة تليفزيونات.. وحين وصلت الأطباق اللاقطة رُجِمَت بالحجارة.. واليوم يتسابق المناوئون لها ليطلوا على المشاهد وبالألوان عبر الفضائيات.. قبل أسابيع، وفي طريقي من مطار جدة إلى الطائف، لم يستثنِ السائق أي شكل من أشكال التقنية الحديثة إلا وهاجمه، بدأ حملته على الإنترنت ثم على الهاتف المحمول.. وقد نسي أنه لولا الهاتف المحمول الذي يحاربه لما استطاع الاهتداء إلى مكاني في ذلك المطار الكبير المزدحم بالبشر.. وأن السيارة التي تقلّنا هي من معطيات الحضارة التي يشن هجومه عليها.الإبداع مغامرة جريئة، ولا شمس تحت الأرض.. ومن يحاذر تسلل الغبار إذا فتح النافذة فسيحرم نفسه الضوء والهواء. والسؤال الذي يمكن أن نختتم به هذا المقال هو: عند أي مرحلة تاريخية كانت ستقف البشرية لو جرت الرياح بما تشتهيه تلك العقليات القديمة المصابة برهاب التغيير؟!hsn_saba@hotmail.com