محمد العلي

محمد العلي

كان فعل ماضي ما نسيبه بحالهوالماضي احنا ما لنا وما لههكذا تشدو ليلى مراد بصوتها الزلال فلا تستطيع إلا أن ترتشف منه ما استطعت حتى اختفاء ذاكرتك واستسلامك لحاضر نبت ماض ضاحك لا يلتفت الى شيء يسمونه الأمس الذي أهيل عليه التراب ولكنك لا تملك الحالة التي كانت عليها ليلى مراد حين شدت بهذه السخرية العذراء ولا تملك الزقزقات التي كانت تحف بها وهي تشدو ثم إنك لم تشرب من النيل حتى تكون لديك خفة العصافير.لهذا كله أنت لا تستطيع أن (تسيب الماضي بحاله) لأنه زرعك زرعا مختلف الألوان زرع عقلك ووجدانك وروحك ولسانك حتى أصبحت حقلا مليئا بالزهر والورد والثمار الحلوة والمرة.. إن ذاكرتك التي أوهمتك أنها اختفت خلال استماعك للصوت الضوئي كانت تراقب زوال انفعالك وهي في حالة من السخرية بك وها هي تقابلك وجها لوجه.الماضي هو كيفية بناء كينونتك البيولوجية وحمولاتها الوراثية وهو لغتك التي لا دخل لك في صنعها والتي لا تستطيع الانفلات الكامل من قبضتها والماضي هو الذهنية التي عليها مجتمعك كله ومن حوله المجتمع الإنساني بكل رياحه العاتية والتي يتوقف اختيارك للدرب الذي تسير عليه من دروبها إلى صفاء وإرادة ضاربة قد لا تتوافر لك فتسير في أي درب سير القطيع.والماضي هو تطورات الجسدي والروحي في الحياة وكل طور من تلك الأطوار يطبعك بقسماته سواء كانت قبيحة أم في قمة الجمال ومعنى هذا أن كل تلك المراحل وإن زالت عن جسدك فإنها تحتل أكبر المساحات في عقلك الباطن.والماضي هو تاريخ أمتك بكل إضاءاته وانطفاءاته وانتصاراته وهزائمه ومعنى هذا أن انتماءك الوجودي يقوم على ذلك الأساس وهو أساس تختلف فيه الأمم اختلافا يهب الفخر أو يهب الخجل.والماضي هو ذكرياتك المحجبة حين كنت تسترق السمع والبصر إلى بنت الجيران وهي تحاور مرآتها الصقيلة فتأخذ المرآة في قراءة ديوان الجسد وأنت كأي لص تسرق ما تقرؤه المرآة من الشعر الذي لم يعرفه المتنبي، في حياته فراحت هباء منثورا.(حضارة الجسد)هذا أحد الأوصاف التي تطلق على الحضارة الغربية ولكن هذه الحضارة التي نطلق عليها هذا الوصف ثم نفرح فرح المنتصرين تنطوي على تيارات يمكن أن نسميها حضارة الجسد وحضارة العقل وحضارة العلم وحضارة النقد الذاتي.. أما حضارة الجسد فقد بقيت وحدها تجول وتصول لا في الميدان الأرضي بل على الفضائيات.. أي على الهواء مباشرة.