محمد الحرز
في مثل هذه الأيام من العام الفائت كنا في مهرجان لوديف لشعراء المتوسط .. مدينة تقع في الريف من جنوب فرنسا بالقرب من مدينة «مونبلييه» .. هي أشبه بقرية يشقها النهر إلى ضفتين، لا تشعر وأنت تطأها سوى بالأحاسيس التي تقودك إلى الشعر.. كل الأشياء فيها متواطئة على النحو الذي يستفزك كي تكتب شعرا.. وكأنك في معركة طاحنة تحاول أن تهدئ هذا الإحساس أو تمسك ذاك كي لا يقع، وأنت ما بينهما سوى تائه أضاع الباب المفضي إلى الاطمئنان والسكينة.. هذه المدينة من فرط الاندهاش الذي حرك رغبتي للكتابة عنها هو نفسه ما جعلني أجفل كلما حاولت أن أقبض عليها كذكرى ما زالت ترزح بثقل على مخيلتي.. كنت أقول بعدما انفض المهرجان وأقفلنا عائدين إلى أوطاننا أن الكتابة عنها سوف تتملكني وتسد علي المنافذ.. للأسف لم يحدث ذلك. وكلما حاولت أن أقترب منها من خلال الكتابة أشعر بأن هناك ما يشدني إلى الوراء.. ثم أتخلى تماما عن الفكرة وأنصرف إلى شؤوني الأخرى.. كم مرة كنت عندها أتساءل عن السبب؟ سابقا كانت قناعتي تقودني إلى فكرة تتعلق بالكتابة عن المواقف والأحداث المؤثرة في الكاتب مفادها أن الصدمات الكبرى في حياة الفرد لا يمكن استيعابها بالكتابة عنها فقط.. ربما الكتابة في مثل هذه الحالات هي مجرد مسكنات.. أو في حالات أخرى الكاتب لا يملك الشجاعة الكافية للمواجهة حيث تظل مثل هذه الصدمات شرخا يسكن في أعماق الكاتب نفسه.. لذلك أفضى بي هذا الموقف إلى الإيمان التام بالمسافة بوصفها هي المدة اللازمة كي تتحول هذه الصدمات إلى شعور بالتعقل، أي عبارة عن تأمل ووجهة نظر سرعان ما نجدها تتلبسنا سواء على مستوى السلوك أو النظر، وهذه هي الركيزة الأساس التي تتغذى عليها الكتابة حينما نلجأ إليها عندما نعدم وسيلة أخرى كي نستجلي مثل هذا الشعور.. الإيمان بهذه المسافة جعلني أؤجل فكرة الكتابة عن ذكريات لوديف .. ربما هي ليست من الصدمات الكبرى التي عنيتها هنا، لكنها بالتأكيد من الاستثناءات التي تعبر حياتي .. لو كان علي أن أذهب إليها كسائح عابر، ما كانت والحالة هذه تختلف عن بقية المدن الأوروبية الأخرى التي زرتها، لكن المسألة تبدو لي أنها تختلف حين تكون مدعوا في مهرجان شعري كبير يؤمه الكثير من شعراء العالم.هنا يكون الاكتشاف مضاعفا .. فأنت تكتشف المدينة بتضاريسها الطبيعية فيما أنت تكتشف كيف يحيا الشعر بطريقته الخاصة ؟ وأول ما يلفت انتباهك هو النظر إلى الشعر باعتباره أسلوب حياة يوميا بالنسبة لدى هؤلاء الفرنسيين.. فالإنصات هو السمة الأكثر جاذبية لديهم، لا يهم في أي مكان يلقى الشعر أو ينشد، ربما تكون الأمسية على ضفاف النهر أو في مقهى قديم أو غير ذلك .. ما يهم هو كيفية الإنصات إلى الشعر.. لذلك تراهم لا يقيمون وزنا لجلسة موحّدة يقيدون بها أجسادهم - مثلما هو حادث عندنا في أغلب أماسينا الشعرية - أثناء الاستماع .. بل تراهم في الغالب أكثر حرية في الحركة لكن في ذات الوقت أكثر انشدادا إلى ما يسمع وما يُتلقى من شعر.. والآن عندما استرجع هذه الملاحظة التي تملكتني ولم استطع منها فكاكا، أشعر بتلك المسافة الكبيرة بين أسلوب التلقي للشعر عندهم وأسلوب التلقي له عندنا .. أليس الفرق هو فرق في الحياة نفسها ؟لقد كانت تربيتنا الشعرية الموروثة لا تهتم بالشعر نفسه بالقدر الذي تهتم فيه بالممارسات المصاحبة له .. فقوة الإنشاد، وضخامة الحضور، والاهتمام بالشخصيات المهمة في مقدمة الجلوس، ترتيب الحضور ترتيبا محكما وكأنك جالس في مؤسسة نظامية لا في مكان تستمع فيه للشعر.. والأكثر ظلما للشعر مع كل ذلك أن ينشد في أماكن مغلقة تماما.. عكس الأمسيات التي تلقى في هذا المهرجان، فنادرا ما تقام الأمسيات في أماكن مغلقة، دائما ما يكون الشعر معانقا الفضاء الرحب ولا ثمة عوائق تمنعه من الوصول إلى الطبيعة.. ألا يجدر بنا أن نتعلم القدرة على فتح النوافذ على آخرها كي يتجدد الشعر أولا ثم نتجدد معه؟! Mohmed_z@hotmail.com