حسن السبع

حسن السبع

«بيننا عيش وملح»! قد لا يكون للعيش والملح بمعناهما المادي وجود في كثير من العلاقات الودية التي يعبر عنها هذا القول .. لكنه تعبير مجازي عن صداقة أو بقايا صداقة، أو ذكرى عابرة .. قد يكون العيش والملح زمالةً مدرسية، أو رفقةَ عمل، أو حديثا عابرا في مقهى، أو وقفةً تشد الأزر في لحظة من لحظات الانكسار.. إلى آخر أشكال التواصل الإنساني. قد يكون «العيش والملح» فنجان قهوة .. ولفنجان القهوة دلالة في الثقافة العربية تتجاوز طقوس الاستقبال والضيافة .. ومن لم يعش ذلك واقعا لم يفته أن يلاحظ في بعض المسلسلات التليفزيونية كيف يترك الضيف فنجان القهوة جانبا.. وعندما يطلب منه أن يشرب قهوته يرد قائلا: «ما أشرب قهوتك يا شيخ لين تلبي لي طلبي»! فإذا لم يتحقق طلبه نهض قائلا: «شيل قهوتك يا شيخ»! أي لم يعد بيننا (عيش وملح).. إذا جاز هذا التفسير.ولفنجان القهوة في الثقافة التركية الدلالة نفسها، وقد نقل لنا الكاتب التركي سرقان أو زبورون هذه الدلالة في حكاية عنوانها (في مرسى يمش) وملخص ذلك أن أحد جنود الانكشارية (في الدولة العثمانية) دخل، يوما، مقهى (تشردق) في (مرسى يمش) على خليج القرن الذهبي. وكانت فرق الانكشارية، آنذاك، ذات سلطات واسعة .. رمق الانكشاري زبائن المقهى بنظرة، ثم جلس على أحد الكراسي الخشبية التي في الصدر.. وبعد ذلك سُمع زئيرٌ يقول: قدّم للكل قهوة مني! .. ثم التفت إلى الرجل الجالس بمفرده في الزاوية البعيدة وقال: لا تقدم لذلك الجالس هناك»! كان المستثنى روميا. ويستطيع القارئ أن يتصور وقع ذلك التمييز المتحامل على الرجل .. ابتلع الرومي في داخله مرارة ما حدث .. لكن القهوجي، وقد تأثر كثيرا لما حدث، قدَّم للرومي فنجان قهوة سرا.. وبعد ذهاب الانكشاري تقدم الرومي من موقد القهوجي ليدفع ما عليه .. قال له صاحب المقهى: «هذه ضيافتنا يا سيدي»! بعد أربعين سنة، أعلن المنادون، ذات يوم، أن تمردا كبيرا اندلع في جزيرة سيسام، وسُحبَ القهوجي مثل كثير من العثمانيين للجيش (لقمع التمرد) .. أُسرَ القهوجي، وبحكم العادة ينزل أسرى الحرب للبيع بالمزاد العلني، ويباعون لكبار أصحاب الثأر، والهدف من ذلك هو الانتقام .. حين جاء دور القهوجي بيع بخمسة قروش، واقتيد إلى بيت المشتري متوقعا أقسى صنوف التعذيب الانتقامية .. لكن المشتري جاء حاملا فنجان قهوة، وضعه أمام الأسير وانتظر. بقيا فترة يتبادلان النظرات، حتى قال المشتري: ألن تشرب قهوتك؟ قال القهوجي مندهشا: القهوة لدينا لها خاطر يا سيدي، ولا تشرب إلا بين الأصدقاء»! قال الرومي: حسنا، ألا نعد أصدقاء؟ لتكن هذه ضيافتنا يا سيدي! وهي العبارة نفسها التي قالها القهوجي قبل أربعين سنة .. (أوزبورون: مقهى الباب العالي: ترجمة عبد القادر عبد الله).يحفل الأدب كنشاط إنساني بكثير من النصوص الهادفة إلى تسليط الضوء على مواطن الضعف الأخلاقية والفكرية، وإلى تكريس قيم التقارب الإنساني، وانتشال الإنسان من أسر ذاته أو فرديته .. وفي زمن موبوء بالانقسامات والمجابهات ودعوات التفرقة والكراهية، فإن الناس بحاجة إلى مثل تلك الأدبيات التي تقاوم العزلة، وتعزز الروابط الإنسانية حتى لو كانت عبر حكاية وقعت حقيقة، أو هي من صنع الخيال. إن ما يوحّد بين بني البشر أكثر مما يفرقهم .. فهم سكان قرية كبيرة .. وبينهم مصالح اقتصادية وثقافية لا تحصى، ويفترض أن يشاركوا جميعا في عمارة تلك القرية وبناء حضارتها. مع ذلك، يعترف كل من تناولوا ظاهرة التحيز من مفكرين وأكاديميين بأنها ظاهرة شائكة .. لقد سطّر من أجل معالجة تلك الظاهرة كثير من الخطب والمحاضرات والمقالات، وعُقد كثير من اللقاءات والندوات والمؤتمرات، لكن المعجزة، كما يرى بعضهم، لن تأتي من البناء الفوقي بل من القاعدة. إنها مسألة تربية تكرس في الأذهان أن ثقافة ما هي مركز الدائرة وقطب الرحى، وأن ما عداها هو الهامش، مما يستدعي إعادة النظر في سلبيات النظام الثقافي. وأمام هذا المأزق يحتاج العالم إلى ثقافة مختلفة تكرس أريحية ورهافة مشاعر ذلك القهوجي، لينتصر الإنسان على ظلامه الخاص أو (انكشاريته) إذا صح هذا التعبير. hsn_saba@hotmail.com