حسن السبع
حين يصاب الحاسب الآلي بلوثة في عقله من الدرجة الثالثة، ستعمل ما في وسعك للبحث عن السبب .. لماذا، على سبيل المثال، تغيّر التنسيق فجأة، ودون سابق إنذار؟ ولماذا تحوّل ملف من عشرات الصفحات إلى سطور من علامات الاستفهام البلهاء؟ ولماذا تعذر استرداد الملف، فصار الجهد كله أشبه برحيق في غربال؟ إلى آخر علامات الاستفهام والتعجب المقلقة .. شخصيا، أفترض كل الاحتمالات التي جعلته يخرج عن طوره، وكل الحماقات الالكترونية التي ارتكبتها دون قصد، فإذا أعيتني الحيلة لجأت، صاغرا، إلى وسائل الدعم والمساعدة .. أقول (صاغراً) لأن كثيرا ممن يستخدمون وسائل التقنية الحديثة كالهاتف المحمول والحاسب الآلي وبقية الأجهزة الأخرى، وأنا واحد منهم، هم دائما في عجلة من أمرهم، ولا وقت لديهم للاستفادة من وسائل الدعم والمساعدة الخاصة بتلك البرامج والأجهزة، أو الرجوع إلى دليل المستخدم الورقي.. وفي نهاية المطاف يكتشفون أنهم قد بددوا وقتا أطول في البحث عن حلول للمشاكل الفنية بطريقة عشوائية مرتجلة. حين لا أجد وصفة تعيد للحاسب سكينته أستعين بصديق من أهل الخبرة والمعرفة، كما يفعل ضيوف برنامج جورج قرداحي (من سيربح المليون). ينصحني الصديق المستشار باتباع خطوات كنت قد اتبعتها، وبتنفيذ إجراءات قد نفذتها، وحلول قد جرّبتها، فأعود بعد تلك الاستشارة خالي الوفاض أجرّ أذيال الخيبة .. قد يتساءل الصديق المستشار قائلا: «هل تؤثر هذه المشكلة على أداء الحاسب؟».. أقول له: لا .. إنها لوثة من الدرجة الثالثة .. فما زلت قادرا على التصفح، وعلى كتابة مقالاتي ورسائلي، واستخدام بريدي الإلكتروني .. عندئذ يبادر إلى القول: «ما دام الأمر كذلك فحاول أن تتجاهل هذا الخلل التافه.. وتعامل معه وكأنه غير موجود»! نصيحة عملية، كما يبدو، لكنها لا تجد عندي أذنا صاغية .. إذ لا بد أن أجد تفسيرا شافيا وافيا أعرف من خلاله الأسباب التي قادت إلى تلك النتائج غير المتوقعة. مثل هذه النصيحة مريحة لصاحب لي لم تلسعه حشرة الفضول، حسب تعبير إدواردو غاليانو .. ولذلك فإنه يرى في بحثي عن أسباب الخلل شكلا من أشكال الترف الفائض عن الحاجة، أو هو من قبيل لزوم ما لا يلزم، أو شكلا من أشكال الهوس المَرَضي .. وعندما أحاول إقناعه بخلاف ذلك يصبح حديثنا أشبه بحديث الطُّرش، وفي الغالب فإني لا أصل معه إلى نتيجة.تذكرت صاحبي هذا، قبل أيام، وأنا أقرأ أقصوصة للكاتب الأرغوائي إدواردو غاليانو عنوانها (أحمر أصفر أخضر).. سأحاول اختصارها قدر المستطاع. فعندما رُكّبَتْ أعمدة إشارات المرور في قرية كواري لأول مرة، توافد القرويون للفرجة ليلا، لأن الأضواء في الليل أشد سطوعا .. كانت الأضواء تشتعل وتنطفئ بالإيقاع نفسه على الدوام، مكررة طوال الوقت ألوانها الثلاثة (أحمر أصفر أخضر) واحدا بعد الآخر.. لكن رجال الريف أولئك غير المبالين بمرور الناس والسيارات لا يملون المشهد.. يقول أحدهم ناصحا: «الذي على تلك الناصية أجمل».. ويعرب آخر عن رأيه: «هذا الذي هنا يتأخر أكثر». ويختتم غاليانو أقصوصته بالقول: ليكن معلوما.. لم يسأل أي واحد منهم قط ما هي فائدة تلك العيون السحرية التي تومض دون توقف!! (غاليانو: أفواه الزمن: ترجمة صالح علماني). والواقع أننا لا نختلف، أحيانا، عن شخوص أقصوصة غاليانو في تعاملنا مع الأشياء والأفكار.. فقد تواجهنا بعض الأحاجي دون أن تلسعنا حشرة الفضول لنسأل: لماذا وكيف؟ السؤال مفتاح المعرفة.. ومنذ وجد الإنسان على هذه الأرض، وهو يسعى إلى تفسير ما يحيط به من ظواهر يكتنفها الغموض للوصول إلى ما وراء الحاضر، ومن ثم فإن كل اكتشاف علمي حققه الإنسان هو نتاج تلك الرغبة المتأججة في المعرفة والفهم .. كانت الحيرة تسبب قلقا دائما، وحالة من عدم الاستقرار الذهني أو النفسي .. ولا عجب أن يجد بعضهم هدوءه النفسي في بعض التأويلات والاستنتاجات التي يتعذر إثباتها، لكنها تبدو أرحم من الوقوع في مخالب الحيرة.. ولا عجب، كذلك، أن يطير أرخميدس من الفرح، ويخرج من منزله إلى الشارع دون ملابس مرددًا : «وجدتها.. وجدتها..»! إنها متعة الاكتشاف التي لا تضاهيها متعة!.hsn_saba@hotmail.com