محمد الحرز

محمد الحرز

أيهما أجدى لصنع حداثتنا الارتباط بنصوص عصر التنوير أم بنصوص ما بعده أي ما بعد الحداثة؟ هذا هو التساؤل الذي ختمنا به المقالة السابقة بعد أن تحدثنا عن بعض النماذج من المثقفين الذين فهموا الحداثة أيضا انطلاقا من نصوص وخطابات تأسست في القرن التاسع عشر, وهي نصوص تعتبر صورة مؤولة لما كانت عليه حداثة القرن الثامن عشر.ربما يوحي السؤال إلى أننا نملك الحرية في الاختيار, وإلى أننا لسنا متورطين لا اجتماعيا ولا فكريا أو ثقافيا واقتصاديا بالمسار العالمي الجارف للحداثة. لو طرح هذا السؤال منذ بدايات عصر النهضة العربية كان يمكن أن يكون له وزن كبير,ودلالات كبرى تفسح المجال فيه لفهم الصور المتعددة للحداثة, وبالتالي كيف نشأت وفق شروطها التاريخية الغربية. لكن ذلك للأسف لم يحدث لأسباب تناولناها في مقالاتنا السابقة. لكننا هنا نود التركيز فيما يتصل بالسؤال على جملة من الملاحظات نسردها كما يلي : أولا من العبث أن نطرح مثل هذا السؤال دون أن نشير إلى الجهة التي يتعلق بها هذا الاختيار.وفي هذا الصدد يمكن أن نحصر حديثنا هنا إلى الإشارة إلى مستوى من التعلق هو الاختيار على المستوى الفردي حيث يمكنني على هذا المستوى أن أتحدث عن تجربة شخصية مررت بها كدلالة على صعوبة الوضع المعرفي الذي يعانيه البلد وبالتالي صعوبة وضعية المثقف المرتبط به. إن فقدان المصادر المعرفية والمعلوماتية والثقافية وانحسار إمكانية الحصول عليها بسهولة ويسر, تكاد تكون هي السمة الغالبة التي طبعت فترة أوائل التسعينات في عموم الوطن, وهي الفترة التي كنا فيها كجيل نتطلع إلى أن نصوغ أنفسنا معرفيا وثقافيا وفق طموحات وآمال دائما ما كانت تتحكم فيها أسئلة الحاضر الذي كنا نعيش فيه. يضاف إلى ذلك هو أن مؤسساتنا التربوية والتعليمية لم تكن تشبع رغباتنا الثقافية ونهمنا إلى المعرفة, ناهيك عن ضعف المستوى التعليمي في بعض جامعاتنا خصوصا إذا كان هذا الضعف يتعلق بالتعليم الفلسفي والمنطق أي العلوم الفلسفية ومناهجها وتاريخها أو العلوم الإنسانية والأدبية.على هذه الخلفية يصعب عليك أن تتلمس طريقك بسهولة, فالصعوبة عوائقها مضاعفة هنا, فهناك من جهة أولى عائق المصدر الذي يغذي معرفة الفرد مثل الكتب والتواصل مع الآخرين من المثقفين والحوار معهم, ومن جهة ثانية عائق النظام التربوي التعليمي وخطابه التقليدي الذي لا يفسح المجال لنمو الفرد معرفيا خارج إطار كل ثقافة سائدة. هذه العوائق اختفت في الوقت الراهن فالجيل الحالي يعيش ثقافة الانترنت وسهولة الحصول على المعلومة والقدرة على التواصل والتعلم. بينما من الطبيعي- في تلك الفترة- مع وجود مثل هذه العوائق, ومع وجود أيضا الاندفاعة والحماسة في اكتساب المعرفة بشتى الوسائل والطرق, كنا نراهن على القراءة, والإقبال عليها بشغف من خلال كل جديد يطرح في عالم المعرفة والثقافة, سواء على مستوى الأدب أو الفلسفة أو العلوم الإنسانية والسياسية, حيث كان هذا الشغف مدفوعا بقناعة تقول أن كل جديد من نظريات وأفكار وأطروحات تأتي من الفكر الغربي هو يمثلنا من العمق ويعبر عن حاضرنا وطموحاتنا وآمالنا المستقبلية غير أننا في تلك الفترة لم نكن نراعي أمرين مهمين إما بسبب ضعف التجربة والخبرة أو بسبب ضياع البوصلة الموجّهة إلى الطريق.الأول منهما هو تاريخ هذه الأفكار والآخر هو علاقة هذه الأفكار بالقضايا والأزمات التي تلح على مجتمعاتنا من العمق. غياب هذه العلاقة والنظر فيها نقديا ( بالطبع هذا الغياب هو أزمة كبرى تمس علاقة الخطاب العربي بالغربي) هو الذي أدى بنا لاحقا إلى المثابرة في فهم نصوص ما بعد الحداثة واستيعاب مناهجها دون النظر إلى مدى مواءمة هذه النصوص للقضايا التي تعيق تحديث المجتمع وتجيب عن بعض إشكالاته وأسئلته. من هذا المنطلق نحن نتساءل هنا أيهما أجدى للبحث عن حلول لقضايانا الراهنة الإقبال على نصوص ميشيل فوكو أو دريدا أو جان فرانسوا ليوتار أو نعود إلى نصوص كانط أو فولتير أو روسو أو ديدرو وكوندرسيه وغيرهم. أليس بناء العقلانية الفلسفية في المرحلة الراهنة أجدى من تهديمها والتشكيك في وظيفتها؟.وعلى الرغم من أهمية نصوص هؤلاء( فلاسفة ما بعد الحداثة) إلا أن الأولويات تتحكم هنا بحيث لا تعني هذه الأولويات التراتبية وإنما تعني جهة ارتباطها بقضايا المجتمع نفسه. وعندما أدعو هنا للعودة إلى تلك النصوص فهي دعوة ينبغي أن ترقى إلى مستوى المشروع, أي عرض هذه الأفكار وتقديمها إلى جميع فئات المجتمع بطريقة «كتب الجيب» حتى يتسنى لنا فهم الآخر بطريقتنا وليس بطريقته.Mohmed_z@hotmail.com