حسن السبع
في ذروة الازدهار الأيديولوجي كانت القيمة الفنية للعمل الإبداعي لا تشكل أولوية، آنذاك، كان يتم تقييم التجربة الفنية بمعايير فكرية / سياسية لا تحتفي بالأطر الفنية قدر احتفائها بالمضمون الفكري والسياسي .. وفي مناخ ثقافي كهذا لا مكان لرؤية فنية مستقلة .. هنالك دائما جاذبية تشد الأديب والفنان إليها فلا يستطيع التحليق بعيدا، وبدلا من أن يكون شاهدا على عصره يصبح مدعيا عاما .. لا ينبغي أن يفهم من هذه المقدمة تجريد الفن من رسالته، أو تجريد الفنان من التزاماته، غير أنه لكي يصبح ثقل الالتزام إيجابيا ينبغي أن يكون نابعا من الإرادة وحرية الاختيار.. وجد كذلك في الساحة الثقافية العربية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أدباء ورقباء ونقاد من طهاة الوجبة الثقافية الواحدة.. وهو خط لا يقبل التنوع، ولا يحفل بالإبداعات الأدبية والفنية ذات التوجهات الإنسانية والفكرية المختلفة عن إيقاع توجهاته .. أما المفارقة العجيبة فهي أن تُصَنّف الدعوات الرامية إلى حرية الإبداع الأدبي والفني، والمناوئة للثقافة الشمولية في خانة الدعوات والأفكار التقليدية المحافظة، مع أنها تنطلق من الرغبة في التغيير ونبذ الجمود. الموقف نفسه تعرّض له بعض المنتمين إلى تيار الحداثة الأدبية والفنية ممن كانت لديهم رؤية مختلفة عن نظرائهم من ذوي الرؤية الأحادية .. وهو موقف يمكن تلخيصه في العبارة التالية: «إذا لم تكن نسخة منا فلست معنا».. وقد تم تصنيف أي صوت مختلف في خانة تيار التقليد والمحافظة حتى لو كان أكثر انفتاحا وحداثة من السادة المصنفين .. قناعات ومفاهيم سخَّرت الفن والأدب لخدمتها، وكانت يوما ما في حكم المسلَّمات والثوابت، فكان الأكثر حظوة وحضورا، آنذاك، هو القادر على إرضاء الرقباء والنقاد من طهاة ذلك المطبخ التعبوي .. وقد فرَّخ ذلك المناخ الثقافي أعمالا أدبية وفنية ونقدية سرعان ما انطفأ بريقها، كما لمعت أسماء سرعان ما صدئت. كان للمتغيرات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية دور بارز في تداعي كثير من تلك المفاهيم .. الآن، وقد هدأ الضجيج، لم تعد تلك الأعمال الأدبية أو الفنية تحتفظ ببريقها السابق .. وبخلاف ذلك احتفظت الذاكرة الأدبية والفنية بأعمال اعتبرت، آنذاك، شكلا من أشكال الهرطقة أو الترف البرجوازي .. يورد الكاتب الأرجنتيني آرنستو ساباتو مثالا على ذلك بأعمال بيكاسو وجويس وبروست وبراك التي كان ينظر لها بعدسات النقد المؤدلج على أنها من إفرازات «البرجوازية العفنة» .. وهو رأي مثير للضحك في أيامنا هذه. أما الملاحظة الجديرة بالاهتمام فهي أن العرَّابين والمنظرين الكبار كانوا أكثر تذوقا لتلك الأعمال وتسامحا معها من تلامذتهم، مما يؤكد معنى العبارة القائلة: «من يعرف كثيرا يغفر كثيرا» .. سئل ساباتو عن معنى الالتزام فقال: إن للكاتب التزاما واحدا فقط، وهو التزام الحقيقة الكاملة. وأضاف: إنني بعبارة واحدة لست منخرطا في هذا النظام ولا في نقيضه، كما أنني في الواقع شخص مليء بالتناقضات والشكوك لأنني روائي ولست عالم اجتماع. أما تينسي وليامز فيرى أن عمل رسام مبدع، مخصصا حصرا للرؤيا، ومجردا وتلميحيا كما يريده، لهو أكثر أن يبدع لأجلك لحظات وجوده الأكثف إدراكا .. مع ذلك، فقد نظر إلى تلك اللوحة التي يستطيع المتلقي أن يستنبط منها ما يشاء على أنها عمل عبثي لا يستحق البقاء.في أيامنا هذه يمكن أن تلاحظ هذا الاصطفاء المتحيز في بعض المواقع الإلكترونية التي تنتقي مادتها وفقا لمعايير لا علاقة لها بالقيمة الأدبية أو الفكرية للمادة المصطفاة، ولكن تبعا لميول القائم على الموقع وتوجهاته، أو تبعا لعلاقته الشخصية بالكاتب، وهي علاقة مبنية، في الأعم الغالب، على التقاء الأفكار والتوجهات. أما الحملات التي تشن على بعض الأعمال الفنية أو الأدبية، أو تلك التي تحاول عرقلة بعض المشاريع الثقافية، فإنها لا تنطلق من رؤية نقدية بقدر ما تنطلق من موقف أيدلوجي لا علاقة له بالنقد، ولا صلة له بالإبداع. والواقع أنه إذا ما امتزج الثقافي بالأيديولوجي فكل الأطياف على اختلافها، وسواء اتجهت يمينا أو سارت يسارا، تشكل وجهين لعملة واحدة، كونها تلتقي على هدف واحد هو مصادرة كل إبداع يخالف أجندتها. hsn_saba@hotmail.com