محمد الحرز

محمد الحرز

السؤال ينطوي على جملة من المقاصد وفق الأنا التي يشير إليها السؤال ذاته. وما لم نحدد منذ البداية مَنْ المقصود بنفي الحداثة عنهم, وأي حداثة نعني فإننا سنضيع في متاهة السؤال بالقدر الذي نلح بالإجابة عليه ؟. أظن أن المقصود بالأنا هي الذات المثقفة المثقلة بهموم الحاضر وسؤال المستقبل. والحداثة هنا بوصفها وعيا بالآخر الغربي وبمنجزاته الحضارية خصوصا بأسسه العلمية والفلسفية والأدبية. إذن لنجرب صياغة السؤال بشكل أوضح : من هم المثقفون الذين لم يكونوا حداثيين بالمفهوم السابق؟ لا نريد من خلال الإجابة أن نتحدث عن المثقفين بإطلاق سواء على المستوى العربي أو المحلي, كي لا ندخل في العموميات التي عادة ما تؤدي الى التسطيح في الرؤية والطرح. لذلك هناك نموذجان من المثقفين العرب يمكن أخذهما كظاهرة ارتبط مسار كل منهما بالحداثة من جهتين. الجهة الأولى من خلال مؤثرات الأدب الغربي وخصوصا الشعر على النموذج الأول وهم مجموعة من الشعراء والأدباء. وهذه تزامن وجودها مع المد القومي ومجموع الأفكار التي ارتبطت بالحرية من خلال الشعر, والتي تمتد جذورها إلى النظرية الرومانسية في الأدب الغربي الألماني من غوته إلى توماس مان. لكنها لم تعتمل في أذهان المقتنعين بها من الشعراء أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات, وما حفزها أكثر للظهور هو الرخاء الاقتصادي الذي كان سمة تلك الفترة أولا ومن ثم كون الشعر هو السلاح الإيديولوجي للدفاع عن الهوية العربية الإسلامية إزاء الهزائم المتلاحقة التي مرت على العرب منذ 48 ثانيا . في أسوأ توظيف عرفه الشعر ليس عربيا وإنما عالميا, حتى الشعر الفرنسي لم يمر بهذا النوع من التوظيف عندما كانت محتلة من طرف الألمان ولا حاجة هنا للاستشهاد يكفي أن تقرأ التاريخ السياسي الحزبي العربي في ارتباطه بالكتاب والأدباء في تلك الفترة لتعرف ذلك. عموما جرى ربط الحداثة عند هؤلاء بالنظرية الرومانسية عن طريق الترجمة سواء بمظهرها الشعري كمجلة شعر أو الآداب أو بمظهرها الفكري . والمفارقة التي نسجلها هنا والتي تجيب جزئيا عن السؤال الذي صدرنا به حديثنا هي كالتالي : كانت الفلسفة المثالية الألمانية في القرن التاسع عشر هي بمثابة رد فعل على الصرامة العقلانية والعلمية للحداثة الغربية التي طغت على الفكر والمجتمع.بينما الوضع العربي عكس ذلك تماما , وعوضا أن ترتبط هذه الحداثة بالتراث العقلاني لعصر الأنوار واستنبات نصوصه المؤسسة في تربة المجتمع جرى الصراع بين التقليديين والحداثيين على مفهوم للحداثة ينتمي بالدرجة الأولى إلى هذه الفلسفة فقط. لذلك لم نكن حداثيين لأن وعينا بالحداثة الغربية ليس وعيا تاريخانيا, ظل قاصرا في استيعاب وحدة الحداثة في تنوعها وتحولاتها وانعكاساتها على مسار المجتمعات الغربية. أما الجهة الأخرى فهي من خلال فكرة الإصلاح الديني التي راجت بقوة أبان أحداث منهاتن, حيث جرى ربط الدين بالحداثة في علاقة أقل ما يقال عنها علاقة التباسية عند بعض المتنورين من المثقفين, وهؤلاء هم النموذج الثاني الذي نقصده هنا. ففي أطروحات الكثير من هؤلاء يتم تداول مفاهيم الديمقراطية والمواطنة ونبذ العنف وحقوق الإنسان وفهم الآخر .. إلى غيره من المفاهيم الأخرى, بحيث يجري إدخال هذه المفاهيم ضمن هذه العلاقة. والسؤال أين يكمن الالتباس هنا؟ يكمن في أن تاريخ بعض المفاهيم في مجرى الحداثة الغربية متأخر عن بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال مفهوم مثل المواطنة أو الديمقراطية ترسخ الوعي بهما سياسيا واجتماعيا في مرحلة لاحقة بعد الوعي بحرية التعبير وحقوق الإنسان وترسخ آثارهما خصوصا بعد الإصلاح الكنسي. التاريخ الفاصل بين نشوء مفهوم وآخر هو المغيب في هذه العلاقة. فنحن ينبغي أن نعلم تاريخيا كيف تقدم هذا المفهوم على ذاك ومن هو السبب وما النتيجة ؟, هذه أسئلة ضرورية كي نتقدم خطوة كبيرة لفهم الحداثة الغربية . هذا من جانب أما من جانب آخر فينبغي أن نتساءل هنا أيهما أجدى لصنع حداثتنا الارتباط بنصوص عصر التنوير أم بنصوص ما بعده أي ما بعد الحداثة ؟ نؤجل الإجابة عنه إلى مقالة أخرى .Mohmed_z@hotmail.com