حسن السبع
لا شيء أكثر تأثيرا وفاعلية في سحق معنويات الفرد من إقناعه بأنه تافه ورديء . هذا ما يراه التربويون وعلماء النفس. فما بالكم إذا كان ذلك الفرد حدثا صغيرا لم يشتد عوده الأدبي أو الفني، ولم تتكون لديه بعد الثقة بقدراته أو ملكاته الفنية. تصور، على سبيل المثال، طالبة صغيرة لديها قدرات تعبيرية تفوق زميلاتها، وتكاد تضاهي مدرّستها لغة وأسلوبا، لكنها حين تقدم موضوعا متميزا، هو خلاصة اجتهادها الخاص، تسألها المدرّسة باستخفاف: من أي كتاب استنسخت هذا الموضوع؟ وقد تعلق مدرّسة التربية الفنية التعليق نفسه على محاولات طالبة تمتلك موهبة مبكرة في الرسم. ترى أي أثر سلبي قد يحدثه ذلك التعليق أو السؤال الغبي القائل: «من أين استنسختها»؟ ألا توجد وسائل أخرى للتحقق من تلك القدرات الإبداعية المبكرة غير تلك التعليقات الساحقة للمعنويات؟ يدرك كل من زاول التحرير الأدبي في الصفحات التي تهتم بالمواهب الشابة مدى القلق والترقب واللهفة لدى الناشئة على رؤية محاولاتهم الأدبية منشورة على صفحات الجريدة. ويعي، كذلك، سحر الكلمة المطبوعة، والنشوة التي تتملك شاعرا أو قاصا ناشئا حين ترى محاولته الأولى النور. ويمكنه، كذلك، أن يخمّن مجموع نسخ الجريدة أو المجلة التي سيقتنيها في ذلك اليوم المشهود. وفي المقابل يمكن تصور مدى الإحباط والصدمة والنفور من أول رأي نقدي يتسم بالتجاهل أو التعالي والقسوة. أذكر أنني قد نقلت عن الشاعر بابلو نيرودا حكاية مشابهة. عندما قدم ذات يوم إلى أبيه إحدى محاولاته الشعرية الأولى. كان يهمه أن يعرف رأي أبيه. يقول نيرودا: «تناولها أبي وهو ساه غافل، وقرأها وهو ساه غافل، وأعادها لي وهو ساه غافل، ثم قال: من أين استنسختها؟. هكذا تلقيت أولى عينات النقد الأدبي الغافل الساهي»!وعن ذلك الترقب وتلك اللهفة التي تنتاب الكاتب الناشئ وهو يرى عمله الأول منشورا يروي غارسيا ماركيز قائلا: «حدث ذلك في يوم الثلاثاء (...) تسكعت متنقلا من مقهى إلى آخر، طوال أسبوعين، لأشغل نفسي عن لهفة أيام السبت مساء، حتى يوم الثالث عشر من أيلول، حين دخلت مقهى الطاحونة، واصطدمت مواجهة بعنوان قصتي على كامل عرض الاسبيكتادور التي صدرت لتوها»! ثم يصف كيف حصل على الجريدة، ورأى قصته مطبوعة مع رسم توضيحي من رسام الجريدة: «قرأت القصة مختبئاً في حجرتي، بقلب جامح، وفي نَفَسٍ واحد متواصل. لقد كنت أكتشف في كل سطر، القدرة الساحقة للكلمة المطبوعة»! ولا تختلف حكاية استقبال أول محاولة أدبية للشاعر الهندي المعروف رابندرانات طاغور عن حكايات غيره من السابقين واللاحقين. يقول: «لم أكن قد تجاوزت الثامنة حينذاك. وجدتُ بعد أن ربطت بعض الكلمات معا وفق إرادتي أنها قد تحولت إلى قصيدة.. ذات يوم صادفنا محرر الصحيفة الوطنية نابا جوبال بابو. ألقيت عليه بعض القصائد التي نظمتها». استقبل بابو القصيدة استقبالا باهتا، ولذلك يعلق طاغور على ذلك قائلا: «كنت على يقين أنه لا يمكن أن يكون رجلا متفهما، لم أقرأ عليه شعري بعد ذلك إطلاقا».ومرة اصطحبه ناظر المدرسة إلى الفصل وطلب منه أن يقرأ إحدى قصائده أمام زملائه الطلاب. لم يكن وقع القصيدة على الزملاء محببا،كان معظمهم على يقين أن القصيدة ليست من نظمه. قال أحدهم إن بإمكانه تقديم الكتاب الذي نُسِختْ القصيدة منه!أعود إلى نيرودا ثانية، فقد قرأ، مرة، قصيدة له على أحد النقاد وبعد أن استمع إليها سأله قائلا: «أأنت متأكد أن هذه الأبيات ليست متأثرة ب (سامات أرسكاني)؟ فرد نيرودا قائلا: «أعتقد أني متأكد»! وأرسكاني هذا شاعر من أورغواي. والسؤال، كما تلاحظون، يلمح إلى شكل من أشكال استنساخ المضامين. وهي تعليقات يلجأ إليها بعض النقاد ليضفوا أهمية على آرائهم، وليوحوا لغيرهم أنهم محيطون بكل شاردة وواردة. لكنها أشبه ما تكون بثرثرة رواد المعارض الفنية حول لوحة. «ولا أحد يسمع من البلاهات ما تسمعه لوحة في متحف» كما يعبر أوسكار وايلد. حكايات استقبال المحاولات الأولى متشابهة. وهي في معظمها محبِطة، لكن الموهبة الحقيقية غالبا ما تبقى صامدة. hsn_saba@hotmail.com