محمد العلي

محمد العلي

«وتناول ملفا من فوق مكتبه مستطردا: أنا أنوي تنظيم مؤتمر عالمي ضخم في نهاية السنة.. وأريدك أن تشارك فيه بورقة.قلت: وموضوعه؟رفع النظارة إلى عينيه وقرأ من غلاف الملف: المشهد الثقافي العربي عشية القرن الحادي والعشرين.قلت: وهل هناك فرق بين بداية القرن ونهايته؟مال بجسمه فوق المكتب وخلع نظارته ودق بحافتها على سطحه قائلا: إذن قل هذا».صنع الله إبراهيم/أمريكانلي/ص52وهل هناك فرق بين بداية القرن ونهايته؟هذا السؤال الفاجع هو التعبير المتكرر عن ظاهرة عربية دائمة.. بمعنى أنه يمكن طرحه في بداية كل قرن ونهايته منذ بدء التاريخ العربي إلا قليلا.لم يكن ابن خلدون خارجا على معطيات واقعه حين جعل التاريخ تاريخا دائريا.. ولم يكن غريبا أن يوجب أحد النقاد القدماء على الشعراء السير على خطى المتقدمين في شعرهم وليس غريبا أن يبقى صوت أبي نواس صوتا منبوذا.. كذلك ليس غريبا إجهاض حركات النهوض الفكري في التاريخ العربي.ولكن هل يصح قياس حياتنا الفكرية الآن بتلك التي كانت في القرون القديمة حتى يصح طرح نفس السؤال الذي يدل على دوام الظاهرة.. ظاهرة الجمود والتحجر وادعاء الصحة المطلقة في الفكر والسلوك؟ليس بعيدا أن يطرحه بطل الرواية فهو مؤرخ.ولكن طرحه الآن فيه كثير من القسوة والتجاوز البلاغي حتى لو فتحنا النافذة على عصر علي عبدالرزاق وطه حسين وغيرهما في أول عطائهما الفكري.. ثم شاهدنا الفرق بين عصرهم وبين هذا العصر.. حتى لو تم هذا لا يصح أن نقارن الحياة الآن بتلك.لماذا؟لأن حركات النهوض تلك كانت معتمدة إما على السلطة السياسية أو على بضعة أفراد.. والسلطة السياسية كانت تراعي ذهنية المجتمع.. التي كانت آنذاك مرتعا للأمية والمطلقات المتناقضة.. أما سلطة الأفراد فهي مرتهنة بمعادلة صراع القوى الاجتماعية وأهمها سلطة الدولة.. لذلك هي معرضة للإجهاض دائما.الآن اختلف الوضع جذريا.. أصبحت هناك سلطة مرئية أحيانا وغير مرئية أحيانا أخرى تسمى (السلطة الاجتماعية) هذه السلطة بنتها قيم معينة ووعي يكاد يكون مشتركا.. قد تستطيع السلطة السياسية إيقافها لفترة تطول أو تقصر ولكنها لا تستطيع إجهاضها كما كان في الماضي.(التاريخ ثورة)أعتقد أن الذي قال هذه الكلمة مفكر لا يختلط في عينه الحابل بالنابل.Mali@alyaum.com