حسن السبع
سيظل التنافسُ بين أصحاب الصنعة الواحدة خلاَّقاً، ما لم يتخذ مساراً ملتويا. وتبقى الثقة بالنفس لائقة، ما لم تكن على طريقة الشاعر وردزورث: «لا يوجد أحد غيري..»! هذه نبرة مبالغ فيها، وبعيدة عن الأريحية، سواء صدرت عن أديب في مستوى وردزورث، أو جاءت ممن هو أقل منه شهرةً .. وحسب ما نقله جايمس فنتن مؤلف كتاب (قوة الشعر: ترجمة د. محمد درويش) فإن وردزورث لم يقل ذلك بشكل مباشر.. لكن هذا هو المعنى الذي استشفه كارليل من حديث دار بينهما، واستعرضا خلاله أسماء بعض الشعراء الكبار.. لم ينجح من أولئك الشعراء أحد، حسب تقييم وردزورث، إلا بدرجة (مقبول). «لا يوجد أحد غيري»! عبارة تقال بصيغ مختلفة .. أما إذا اعترف الشاعر أو الروائي (الأوحد) بأحد سواه، فإن هذا الـ (أحد) إما أن يكون صوتا عابرا للقارات، أو آتيا من وراء البحار، أو أنه صوت قد أصبح (تحت الأرض) فالبعيد والميت لا يشكلان تحديا في مجال التنافس بين النظراء. وإذا كان وردزورث قد قال ذلك تلميحا، كونه أكثر حنكة من أن يقع في مطب المديح المباشر لنفسه، فإننا نقرأ أو نسمع من يقولها تصريحا في مجال الشعر والرواية أو الكتابة الأدبية بشكل عام. تختلف الصياغة ولكن المعنى واحد: «لا يوجد أحد غيري».. فإذا لم يقلها هو تبرع من يقولها نيابة عنه.. وفي أيامنا هذه، تفرغ بعض الأدباء للتقريظ ومنح (صكوك الإبداع) بعبارات برقية وعلى طريقة: «هذا أشعر بيت قالته العرب.. وتلك أعظم رواية كتبها البربر».. وقد شملت أفعال التفضيل هذه كل ألوان الكتابة .. وأعطى بعضهم شهادات فخرية لأسماء أصيبت بالسكتة الإبداعية منذ عقود .. وأتساءل: لماذا لا يتبع كتابنا، وهم يمنحون تلك الصكوك، منهج إيتالو كالفينو الذي يكتب وكأنه يسير على جسر «مؤقت وهش يمتد فوق هاوية» مما يدفعه إلى استخدام اللغة «بانتباه وفطنة وحذر» خشية السقوط ؟ النماذج التي أتحدث عنها «لا تشكل ظاهرة» حسب التعبير البيروقراطي المتداول في إنكار بعض الانتقادات .. علينا أن نقول، وبشكل أكثر دبلوماسية: إنها عبارة عن كَلَفٍ خفيف في الوجه الثقافي المضيء.في حديث أجراه كارلوس كاتانيا مع إرنستو ساباتو وضمَّنه كتابه المعنون (إرنستو ساباتو بين الحرف والدم/ ترجمة عبد السلام عقيل) طرح المؤلف، أثناء الحوار، رأيا إيجابيا في أعمال ساباتو الأدبية، وكأنَّ رأيه قد أخجل تواضع ساباتو فعلق قائلا: «تلك طريقة للمديح». وعندما سأله عن الصفات التي تميز روايته (أبدون) قال ساباتو: «حسنًا لست أنا الشخص المناسب ليقول إن كانت تلك الصفات المميزة موجودة في عملي، لكنني أعتقد أنني حاولت».. فهل يستطيع روائي أو شاعر من طراز (لا يوجد أحد غيري) أن يجاري ذلك التواضع؟ أو أن يجاري بورخس ولو في «تواضعه المزيف» وهو يرد على سؤال طرحه عليه ويليس بارنستون قائلا: «هل تعلم أنني لست بذاك الكاتب على الإطلاق .. لا مخيلة.. لا أستطيع أن أبتكر شخصيات .. ثمة شخصية واحدة هي أنا .. وربما فينوس، لكنه هو أيضا أنا»! وهل يستطيع النموذج نفسه أن يجاريه وهو يرد على تقريظ بارنستون لبعض قصائده الأخيرة قائلا: «أنت ترى إلى قصائدي على أنها جيدة .. أنت قرأتها في ضوء القصائد المبكرة .. في حين لو أنها أتت إليك على أنها مكتوبة من شاعر مغمور فسوف ترميها جانبا»! في الوقت الذي يشكل السعي إلى الكمال دافعا إلى الإبداع، فإن الشعور بتحقق الكمال يعني بداية النهاية .. الشعور بالكمال، حسب لافونتين، أسوأ مرض يصيب العقل البشري .. إن الشعور بأن (الأجمل) لم يتحقق بعد محفز على مزيد من الإبداع. وحريّ بالمرء أن يترك موضوع تقييم إنجازه للآخرين. فالإبداع سوف يشير إلى نفسه دائما .. عند هذه الملاحظة أجدني مضطرا لاقتباس كلمات للشاعر كيتس وردت في كتاب جايمس فنتن آنف الذكر: «يا لجمال الأزهار الغافية ! كم ستفقد من جمالها إذا ما ألقي بها فوق الطريق وهي تصيح: انظر إليَّ بإعجاب، أنا زهرة البنفسج أحببني، أنا زهرة الربيع» .. أجل .. لا تحتاج الأزهار إلى الإعلان عن نفسها..hsn_saba@hotmail.com