خليل الفزيع
سوء استثمار المال العربي يتضح في القنوات الفضائية التي أصبحت أكثر من أن تعد أو تحصى، ولا أحد ينكر أهمية الإعلام ودوره في خدمة القضايا المراد خدمتها، وهذا ما أدركه الذكاء الصهيوني بسيطرته شبه المطلقة على الإعلام الغربي.لكن الفضائيات العربية اتجهت في معظمها إلى ما يسمى الترفيه البريء، وهو ترفيه لا علاقة له بالبراءة...بل انه يسهم في تدهور أوضاع الأمة بدل أن يسهم في إنقاذها مما تعانيه، وأصحاب الملايين أو لنقل البلايين العرب، اصبح كل همهم هو الاستثمار في الفضائيات، أو التوسع في إنشاء العقارات،ولو سخروا أموالهم في إنشاء المصانع التي تفيد المواطن العربي، وتقلل من تدفق (الرساميل) العربية إلى الخارج، لكان ذلك أجدى وأنفع، فمصانع السيارات - مثلا تكاد تخلو منها البلاد العربية، باستثناء عدد ضئيل من مراكز التجميع، علما بأن مصانع السيارات في الغرب تدار بأيد عربية، فمعظم العاملين في مصانع السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا هم من العرب المغتربين، الذين ضاقت بهم بلادهم بما رحبت.. فتغربوا لطلب الرزق، ووجدوا في الغرب ملاذهم، وحققوا نجاحا كبيرا أينما حطت بهم الرحال.فأين الاستثمارات العربية في صناعة السيارات أو غيرها من الصناعات الحيوية الهامة، خاصة أن البلاد العربية تعتمد على الاستيراد في معظم الأدوات الكهربائية والمحركات والمركبات الصغيرة والكبيرة الى جانب قائمة طويلة من الصناعات التي يحتاجها المستهلك العربي وتستورد من الغرب أو الشرق، وكان بالإمكان توطينها في بعض البلاد العربية حيث يتوافر التكامل الاقتصادي بين مجموع هذه الدول، بتوافر مقومات الصناعة من رأس مال ويد عاملة ومواد خام، ولعل ذلك كله يوفر قوانين وأنظمة تضمن تنقل هذه المقومات بين البلدان العربية بيسر وسهولة، بعيدا عن التعقيدات المصرفية والجمركية وإجراءات استقدام العمالة العربية.. وغير ذلك من المعوقات التي لم تعد مقبولة في ظل اتفاقيات التجارة العالمية.الثروات العربية مدعوة للعمل في ميادين الإنتاج الصناعي والزراعي لكي لا تظل الامة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع، والعمل في إنشاء المصانع أجدى من العمل في إنشاء الفضائيات التي أصبحت تملأ الفضاءات العربية وغير العربية، مع الاعتراف بأن العيب ليس في الفضائيات التجارية بل في أصحابها الذين ينقسمون في مجملهم إلى قسمين، الأول يريد إغراق المواطن العربي في الملهيات من الأغاني والبرامج السطحية، والثاني يريد أيضا إغراق هذا المواطن العربي في الخلافات والفتن وتشويه الحقائق، والنتيجة هي المزيد من التهميش لذلك المواطن العربي.. وتبديد طاقاته الخلاقة، وتغييب دوره الممكن في البناء التنموي الشامل.وها نحن نسمع بشكل مستمر وربما كل شهر أو اقل عن ظهور فضائية جديدة تروج للطروحات الهزيلة، أو تروج للفكر الواحد الذي لا يرى سوى نفسه، ولا يعترف أصحابه بغيرهم من ذوي الفكر المتعارض مع طروحاتهم، مع أن الفكر أكبر وأوسع من أن يحصر في اتجاه يرى أنه وحده الصحيح وغيره هو الخطأ.. هذه الأحادية في التفكير تجر على الأمة من السلبيات ما يجره الانغماس في تلك الملهيات الفضائية غير الأخلاقية.. ، أقول: لو صرفت تلك الأموال تحديدا في المجالين الصناعي والزراعي.. لأمكن لهذه الأمة أن تنهض من بعض كبواتها المتكررة، وأن يكون لها شأنها بين الأمم المتقدمة، في هذا الزمن الذي لا يعترف بغير الأقوياء، القادرين على صنع واقع مشرق.khalfizaia@alyaum.com