محمد العلي

محمد العلي

القدماء وضعوا شروطا للإطناب والإيجاز يدخل في تحديدها الزمان والمكان والمسافة المعنوية الفاصلة بين المتكلم والمخاطب.. ولكن من يزاول الكتابة يعرف أن تلك الشروط وضعت للحالات الشفوية وأن الخروج أو الانتقال من المشافهة إلى الكتابة قد ترك تلك الشروط وراءه.. وأصبح كل من الإطناب والإيجاز صفة أسلوبية يتميز بها قلم عن آخر.من يراقب ردود فعل القراء على المقالات التي تنشر في الصحف يصل إلى القناعة بأننا حتى الآن لم نتخلص من المرحلة الشفوية.. فكثير من الأقلام التي أصبح الإيجاز طابعها أو أسلوبها تلاقي إعراضا متكبرا من بعض القراء.. وقد يصل هذا الإعراض إلى حد اتهام الكاتب بأن الله لم يرزقه بعد نعمة الكلام فضلا عن نعمة الفكر.أنا شخصيا أحب الإيجاز حتى أصبح هو العنصر المهيمن على سلوكي اللغوي بحيث إني لو حاولت أن أستخدم الإطناب لفر هاربا، لأنه لم يرني في واديه مرة واحدة.أصل من هذا إلى أن صفة الإيجاز لا يمكن أن تنسجم مع المرحلة التي نحن فيها انسجاما تاما، ولا يمكن بالإضافة إلى ذلك أن تتلاءم مع الساحة الصحفية التي نتحرك فيها.. وقد أوقعني هذا التباعد الطبيعي بين الإيجاز وما تقتضيه الصحافة في مآزق كثيرة.. أذكر منها مأزقين لأنهما أكثر بؤسا وأشد ظلاما من غيرهما.. تاركا تفصيل المآزق الأخرى إلى حالة أخرى من حالات الضجر الذي ينهشني الآن.في أي لقاء صحفي أنت لا تعرف مستوى من يقابلك فقد يكون ناضجا جدا وقد يكون فجا بينه وبين النضج عداء النقيضين لبعضهما.. وأنت في هذه الحال لست محللا نفسيا.. وهذا هو مربط المأزق الأول فقد نقول عبارة موجزة، فلا يعرف بعدها لا هو ولا قارئه ـ مثلا ـسئلت في مقابلة صحفية عن أبرز شعراء الحداثة وأجبت ـ حسب ذاكرتي الآن ـ إنهم الثبيتي والصيخان والدميني وغيداء المنفى، ولكن للأسف الثبيتي والصيخان توقفا عن التوهج.عبارتي الأخيرة ليس فيها مس أو نيل للقامة الشعرية لكل من الشاعرين الكبيرين فالوقوف عن التوهج أو عدم استمراره لم يكن نقصا في شاعرية رامبو ـ مثلا ـ او غيداء المنفى.. وهنا يصح القول (ومن الحب ما قتل).المأزق الثاني يواجهني في كل يوم أكتب فيه، وأراه بأم عيني حين أسأل أسئلة لا يمكن تصورها حول ما أكتب.. حتى صرخت بأحد الشاكين مرة قائلا: لست مستعدا لأن ألصق بكل مقال أكتبه سورة كتلك التي في المدرسة أوضح عليها ما أقصده بكل كلمة.ألم أقل إننا لم نخرج بعد خروجا كاملا من المرحلة الشفوية.. المرحلة التي عاناها أبو تمام.