حسن السبع

حسن السبع

لا غرابة في أن تتجاور التكنولوجيا والخرافة في محيط واحد: «الدار بالجَنْبِ لكنَّ الهوى جُنُبُ»!. فحيازة التكنولوجيا في حد ذاتها ليست كافية لتغيير العقليات أو التأثير على أنماط التفكير والممارسات .. هذا ما قد يُستنتج من قصة أو حكاية قصيرة جدا للكاتب الأرغوائي إدواردو غاليانو.. في هذه الحكاية يتجاور التقدم التقني والممارسة اللا عقلانية، حيث يتم الزج بالتكنولوجيا في دوائر واهتمامات لا صلة لها بها .. فعندما تعطل جرَّار المزارع أنطونيو كان الأمر بالنسبة له عاديا، فالآلات عرضة للأعطال، وكل مخدوم معدوم، وعندما تلف المحصول عزا ذلك إلى سوء الطقس، وسوء الطقس ليس مشكلته وحده بل يشاركه في ذلك كل مزارعي القرية.. هذا المنطق الموضوعي الواقعي تغيّر تغيّرا جذريا عندما أصيبت البقرة ووُلد العجلُ ميتا. «بدا له الأمر واضحا .. لقد أصابه الجيران بعين» وقد توصل أنطونيو إلى أنه (مستهدف) وأن أعداءه يرسلون النحس له بواسطة جهاز إلكتروني ! ولكي ينأى عن مؤامرات الجيران لجأ إلى بيت موغل في الجبل حيث لا وجود للكهرباء ولا أثر للتكنولوجيا. المفارقة العجيبة المثيرة للاهتمام في هذه الحكاية هي الجمع بين منجز علمي (الجهاز الإلكتروني) وأعمال لا تخضع إلى منطق علمي، فبطل الحكاية يعيش في بيئة تمتلك التكنولوجيا، أي أنه ليس من سكان الكهوف، أو من بيئة معزولة عن وسائل التطور التقني والعلمي .. لكن حيازة التكنولوجيا، كما أشرت، لا تؤدي بالضرورة إلى انقلاب في أنماط التفكير والممارسات .. ويمكن ملاحظة ذلك في البيئات التي تمتلك التقدم المادي ولا يواكبه تقدم في الجانب الثقافي. هنالك دائما تناقض بين المظهر (المتمثل في حيازة التكنولوجيا) والجوهر (المتمثل في نمط التفكير) .. بل إن التكنولوجيا قد تسخَّر في مثل هذه البيئات المستهلكة لخدمة الخرافة والشعوذة والتعصب والتطرف والعنف وبقية الممارسات النشاز. غير أن ذلك ليس حكرا على المجتمعات المستهلكة للتكنولوجيا، ولنأخذ الخرافة على سبيل المثال، ففي مذكرات نانسي ريجان تعترف نانسي التي عاشت في مجتمع منتج للتكنولوجيا المتطورة بأنها قد دفعت مبالغ طائلة لمنجمة تدعى جوان مقابل خدماتها التنجيمية، وأنها كانت تحرص على قراءة طالعها في الصحف كل صباح .. وقد تعرّضت للنقد والسخرية بسبب لجوئها للتنجيم، كما كانت موضوع نكات لا حصر لها في التليفزيون والإذاعة والصحافة. أعود إلى أنطونيو بطل قصة إدواردو غاليانو الذي لم يجد وسيلة للخلاص من (العين الإلكترونية الحاسدة) سوى الانتقال إلى الجبل، حيث لا وجود للكهرباء. ولكي يحصن نفسه من تلك العين «أحاط حصنه بأوراق أشجار، وبأسنان ثوم، وزجاجات مملوءة خبزا، وبعقد واسع من الملح يحيط البيت كله، وغرس في الباب سكين تقطيع الحسد» .. (للثوم والخبز والملح والسكين دلالات خاصة في معجم الخرافات والمعتقدات الشعبية الأوروبية) .. أما الدافع إلى تأمل هذه الحكاية فهو ما بين المزارع أنطونيو وبعض حراس القيم من قاسم مشترك هو الميل للعزلة والانغلاق على الذات للحيلولة دون تسلل القيم والأفكار المصاحبة للتطور التقني. كل من تابع مسلسل (صح النوم) وتعرف على شخصية (أبو كلبشة) وأنفه الذي يشم الجريمة من مسافة فراسخ عنها، فلا تسجّل عنده جريمة ضد مجهول، سيجد وجه شبه بين ذلك الأنف العجيب وأنوف الذين ينظرون بريبة وتوجّس لكل معرفة تتناقض مع معارفهم المتوارثة .. فلكل واحد منهم أنف يشم المؤامرة من مسافة آلاف الأميال، ويراها في كل منجز حضاري جديد، وفي كل خطوة على طريق التطور والتغيير.. ومن مرادفات (المؤامرة) في هذا المعجم الثقافي الفريد مفردة (الاستهداف) حيث يتوهم المصابون برهاب الاستهداف وجود قوى خفية شغلها الشاغل التربص بالقيم والمفاهيم الثقافية والاجتماعية .. وتلك نظرة قاصرة لا تميز بين القيم الجميلة الخلاقة المتوارثة التي ينبغي التمسك بها وتكريسها، باعتبارها ضرورة اجتماعية وحضارية، وبعض القيم والمفاهيم القابلة لأن تكون محل تساؤل ومراجعة. كلما أخفق هؤلاء في قراءة الواقع وتحليله قراءة صحيحة للوصول إلى نتائج مبنية على أسس علمية وموضوعية لجأوا، كما فعل أنطونيو، إلى (جبل) منيع من العزلة يعصمهم من التماس والتواصل والتعايش والتفاعل مع الآخر، ويريحهم من عناء التفكير ومشقة التدبير.hsn_saba@hotmail.com