محمد العلي
لا نتكلم هنا عما يسمونه (المعنى الوجودي) او (المعنى الشعري) أو (المعنى الصوفي) أو حتى عن المعنى حيث يتحول إلى مفهوم.. ذلك لأن المعنى أشبه بطائر تحتاج ملاحقته في أبعاده المترامية وآفاقه المتعددة إلى مالا يمكن أن تستطيعه مقالات صحفية، مهما كانت كثيرة.. لذا سيكون تناوله مقصورا على نوعين من المعنى: المعنى الذاتي كالأحاسيس الشخصية والنبضات الوجدانية.. والمعنى الموضوعي وهو الثابت بالمواضعة والاصطلاح.المشكلة التي تتولد من هذين النوعين من المعنى ليس في وجود كل منهما محلقا في آفاقه الخاصة.. بل تتولد من انتقال أي منهما إلى حقل الآخر واحتلال مساحاته.. أي تحول الذاتي الى موضوعي وبالعكس.لنضرب مثلا:الإيمان لغة: هو التصديق.. والفرق بينه وبين اليقين هو أن الإيمان مبني على (بواعث قلبية) أما اليقين فهو مبني على أسباب موضوعية.. إذن الفرق بينهما فرق شاسع هو الفرق بين الذاتي والموضوعي.. فإذا انتقل أي منهما إلى حقل الآخر.. وليكن هنا انتقال الإ يمان إلى حقل اليقين.. ترى ماذا يحدث؟يحدث أن تتحول الأسباب الذاتية إلى أسباب موضوعية، ويصبح ماهو خاص بطبيعته يصبح عاما لأن الأسباب الموضوعية أسباب مشاعة الفهم بين كل الافراد الأسوياء.. من هنا تتولد الأخطار التي لا حدود لها.كيف؟أول تلك الأخطار القادمة هو تحول الإيمان إلى تقليد، ذلك لأن المقلد لا يعرف أي سبب داخلي وجداني لإيمانه.. وبالتالي من السهل أن يوجه تماما مثل ما توجه أي كرة وهذا ما تشاء منه الأرض في كل تاريخها القديم والجديد.أما الخطر الأشد فداحة فهو تحويله من معنى ذاتي إلى معنى موضوعي.. أي تحويل أسبابه من أسباب لامرئية أشبه بالإشراقية إلى أسباب موضوعية عامة.. وهنا يحق فرضها بالقوة على الجميع.معظم الأدلوجيات هذه منهجها.. ولهذا نرى أن النزعات التي مزقت البشر لا تقوم على قناعات واقعية.. بل قناعات تتقاذفها الأوهام يمينا وشمالا.(التقليد.. التقليد)استخدم هذا الأسلوب القديم في التحذير لأني أعتقد بأنه لا هاوية أوسع وأبعد غورا من هاوية التقليد التي وقع ويقع فيها البشر حتى الآن.. والسؤال هو هل هناك طريقة ما لإزالة هذا المرض المزمن؟لعل دارسي الفلسفة والنفس والاجتماع يجدون جوابا لهذا السؤال ولكن أليسوا هم أنفسهم مصابين بهذا المرض؟