محمد العلي
إذا كنت متأكدا من قدرتك على السباحة فادخل في خضمّ التعريفات المتلاطمة التي وضعت للمعنى حسب الأجيال المتلاحقة .. ابتداء من معنى ابسط مفردة لغوية إلى معنى الوجود المطلق بكل ما فيه من ظواهر وآفاق مرئية وغير مرئية، لذا لن أتطرق الى اي من تلك التعريفات.. ولتكن نقطة البدء هي السؤال الآتي: ما المعنى الاول الذي حرك فضول الإنسان المعرفي؟«حين أراد فاوست ترجمة الكتاب المقدس الى الالمانية توقف عند (في البدء كانت الكلمة) فترجمها هكذا:1 ـ في البدء كان المعنى.2 ـ في البدء كانت القوة.3 ـ في البدء كان الفعل».جيته / فاوست/ عبدالرحمن بدوي ص290.لم يرتضِ الدكتور فاوست ان يكون المعنى هو الانبثاق الاول ولا هو القوة.. بل رأى ان الفعل هو الذي كان مفتاح البدء.لا يمكن ان يكون سؤال الانسان الاول: ما معنى الشمس او المطر او الفصول.. السؤال الطبيعي هو وقوفه امام الجوع والعطش والامن قائلا: ماذا اعمل؟ وكان فعله الاول هو الذي تفرعت منه ولا تزال كل اسئلته عن المعنى.وكان الانسان الاول اسعد حظا منا، فهو قد ذاق نشوة امتلاك الاشياء حين سماها ووضع لها معانيها، مهما كان فيها من خطل وخرافة، فهو قد ابدع لغته اما نحن فقد ورثنا هذه المعاني وراثة ولم نغير فيها شيئا وكأن التاريخ قد مر عليها مغمض العينين.ليس هذا فحسب، بل ان مئات المعاني والمفاهيم حين نقتبسها من حضارة اخرى نضعها حسب ما تعنيه مفردات لغتنا، وبذلك تهرب منا.. واوضح مثال على ذلك هو وضعنا مفهوم الديمقراطية في مفهوم الشورى.. وبهذا ضيعناهما معا.هناك من قال: (يجب ان يكون التعامل مع المعنى كأنه نبات ينمو وليس وعاء مملوءا). مسألة الوعاء هذه ماتت منذ زمن طويل ولكننا نحن ما زلنا مقتنعين بها منذ النقد القديم .. وخطورة هذا الاقتناع تتجسد في فصل المعنى عن الزمن .. عن التاريخ، اي عن النمو المعرفي.. وبذلك تكون الذهنية التي تصوغها مثل هذه المعاني الثابتة للجماعات ذهنية ثابتة وذات سلوك ثابت عمليا ونظريا.الغرابة تنبع من أن مفهوم (الذهنية) كان يعني ذهنية المجتمعات البدائية لأنها تذوب في داخلها (الفردية) فلا تتميز ذهنية عن أخرى.. وهذا المعنى او المفهوم ينطبق علينا في حين أننا لسنا مجتمعا بدائيا، بل مررنا بعهد حضاري مزدهر.. وهو وان انقضى ألا يبقي أثرا مميزا فينا عن تلك المجتمعات؟بلى.. أبقى.ولكن الذي أبقاه هو مجرد التفاخر بالأصداء.