محمد الحرز
لماذا تفتقر الثقافة العربية إلى النقد الابستيمولوجي؟ بالطبع الخطاب النقدي المغاربي هو خارج نطاق هذا السؤال,لأسباب واضحة يمكن أن نوجزها بأنه خطاب بدأ منذ أوائل الخمسينات يشتغل على ما يسميه الخطيبي «النقد المزدوج» أي النقد الذي يؤسس- من جهة- لمفاهيم فكرية وفلسفية نقدية من قاعدة التعالق مع الخطاب النقدي الغربي الحداثي, ومن جهة أخرى يبني هذه المفاهيم بتصورات من منظور الوعي بالتراث العربي الإسلامي, ولا نريد هنا التدليل بالمشاريع الفكرية التي أصلت هذا الاتجاه, فالشواهد كثيرة في جميع حقول المعرفة, نكتفي هنا بطرح بعض الأسماء كمحمد أركون محمد عابد الجابري وعبد المجيد الشرفي و هشام جعيط و محمد الحداد وسالم يفوت وعبد السلام بنعبد العال ومحمد سبيلا وفتحي التريكي وغيرهم كثير.وهذا أمر بالتأكيد لا يخفى على أي باحث ومتابع للساحة الفكرية الثقافية العربية.إذن لنعد إلى السؤال ما المقصود بالثقافة العربية, وما المقصود من جهة أخرى بالنقد الابستيمولوجي؟ بالتأكيد سوف نفهم من هذا القصد هو ثقافة المشرق العربي.على الرغم أنني أحذر كثيرا في الاتكاء على رابطة تحليلية قوامها العوامل الجغرافية من جهة والعوامل الثقافية من جهة أخرى,إلا أن ما يمكن اعتباره مشروعا في هكذا تحليل هو عدم الاقتصار على هاتين الرابطتين في تحليل مفاصل الثقافة خصوصا إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية هي المعنية هنا بالدرجة الأولى بما تمتاز به من تشعبات وتفرعات واندماجات سواء على مستوى الاندماج اللغوي أو الفكري أو الاجتماعي, وهي جميعها عوامل اشتباكية يصعب أخذ عامل في التحليل وترك آخر,حيث ينبغي هنا أن نجيد لعبة الإمساك بالخيوط جميعها في آن واحد, هذا إذا ما أردنا أن نكون موضوعيين وأكثر عمقا. لذا التقسيم الثقافي على أسس جغرافية هنا لا تعني فيما تعنيه سوى المقاربة الإجرائية,أي المقاربة التي نفترض مسبقا أن منطقها مبني على الفكرة التي تقول: إن الفكر النقدي الموجود في المغرب العربي هو متطور وأكثر فاعلية من نظيره في المشرق العربي لأسباب سياسية وجغرافية وتاريخية جعلت منه أكثر هضما للفكر الحداثي الغربي, وبالتالي أكثر تفاعلا وإيجابية.لكن هل تنطبق هذه المقاربة تمام الانطباق على الواقع الفعلي؟ من المستحيل الاعتقاد بذلك.إلا إذا كنا نفكر بطريقة أسطورية لا بطريقة علمية موضوعية وعقلانية. في هذه الحالة يمكن أن تتوقف المعرفة عن النمو بخلاف طبيعتها إذا ما اقتنعنا أن ما نحمله من تصورات عن الواقع هو الواقع بعينه, وهذا ما يؤدي بالتالي إلى أن تصبح الحقيقة جاهزة وما علينا سوى أن نتلقفها. هذه المحاذير المنهجية ينبغي أخذها بعين الحذر في بناء تحاليلنا وتصوراتنا التي ترتكز على مثل هذا التقسيم الجغرافي للثقافة العربية.لكن أيضا لا يمكن القفز على هذه الفكرة بدواعي الحذر منها ،فهناك مصداقية جزئية في هذه المقولة تأتي بمثابة المصباح الذي بالكاد يضيء طريق الواقع كي نبصر أول الطريق .لذلك هذه الطريقة في النظر إلى الواقع وكذلك النظر إلى البحث والتحليل هو ما يطلق عليه بعض المفكرين « قلق المعرفة» بامتياز.وهذا ما أردنا أن نوضحه من تحليل هذا القصد. أما الشطر الآخر من السؤال عن النقد الابستيمولوجي فهو مصطلح تعددت معانيه بين نظرية المعرفة أو فلسفة العلوم أو تاريخها, ورغم تعدد معانيها إلا أنها تتقاطع في جملة الاستخدامات التي أصبحت علامة رئيسية في الفلسفة المعاصرة وذلك عند الكثير من الفلاسفة نزولا من كانط إلى غاستون باشلار وتلامذته. ما نريد أن نقوله في هذه النقطة ببساطة أن هذا المنظور من النقد يبحث في الأسس والتصورات التي جعلت معرفة من المعارف في عصر من العصور تتفوق على نظيراتها , وتبرر لوجودها حيث الكشف عن شروطها التاريخية هي إحدى أهم وظائف هذا النقد.ربما ما أقوله هنا هو نوع من التبسط لأن تاريخ هذا النقد ارتبط بتفكيك مقولات النظرية العلمية كما هو التاريخ النقدي عند جورج كانغيلام أو عند الناقد الأمريكي توماس كون في « بنية الثورات العلمية» وغيره.لكن الأهم هو أن هذا النقد فتح الباب واسعا كي تستفيد الفلسفة من هذا النقد في تجديد مواضيعها وأسئلتها, وهذا معناه أننا أمام رؤية مختلفة وأسئلة مستجدة للنظر إلى الثقافة والمجتمع , وبعينين معاصرتين.Mohmed_z@hotmail.com