خليل الفزيع

خليل الفزيع

الانتخابات أسلوب ديمقراطي لتحقيق إرادة الأغلبية، لكن هذا المنجز الحضاري الإنساني يتحول إلى لعبة في بعض الحالات، لعبة قذرة تمارسها فئة من الناس كل همّها هو الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وما حدث ويحدث في إيران وفي حالات أخرى في العالم.. هو انعكاس لذلك النهم المفجع للسيطرة، وفرض النفس دون أي اعتبار لكفاءة الآخرين، وفي لذة النصر المزيف تتراجع كل القيم الديمقراطية.زعيم المعارضة الإيرانية مير حسين موسوي يصرّ على كشف التزوير في الانتخابات، لكنه لم يجد ولن يجد آذانا صاغية من المتشدد محمد أحمد نجاد الذي يملك مقاليد الأمور ويتحكم بخيوط اللعبة الديمقراطية، ويمنع من لا يريد لهم الوصول إلى السلطة خوفا من أن يتعرى وتبرز سوءته أمام الآخرين، مع أنه مكشوف لدى الآخرين، ورغم أن الأصوات التي تم الإدلاء بها في بعض الأقاليم قد فاق عدد الناخبين، وقد رصد مجلس صيانة الدستور في إيران هذه الانتهاكات الانتخابية في خمسين إقليما، لم تشفع لموسوي بأن يتقدم خطوة واحدة من أجل إعادة الحق إلى نصابه.هذا هو الحال على مستوى الدولة وعلى مستوى المؤسسات لا فرق سوى في طريقة تزييف الأصوات، والتحايل على الناخبين، وإقصاء القادرين على ممارسة الديمقراطية بمنتهى الشفافية والصدق، ومن يملك السلطة.. يملك التحكم في مسار الانتخابات بالتزوير، وتغيير أوراق التصويت، واللعب على حبل المصالح الشخصية .. كل ذلك يتم بموافقة المنتفعين الذين ائتمنوا ولم يحفظوا الأمانة عندما استساغوا هذه اللعبة وجرت في دمائهم الملوثة بالكذب والخديعة، لماذا؟ من أجل المصالح الشخصية لا غير، أما المصلحة العامة فعليها السلام، إذا توافرت فرص وأساليب اختراق الديمقراطية.ليس هذا هو حال العالم الثالث فقط إذا أراد المحللون الغربيون إلصاق هذه التهمة بغيرهم، بل إن أكثر البلدان تقدما تحدث فيها مثل هذه التجاوزات، وأكثر العقول استنارة يمكن أن ترضى بها عن طيب خاطر، طالما حققت لها المزيد من المكاسب والامتيازات والصلاحيات، وخطورة هذا السلوك الأرعن أنه يحجب الكفاءات عن الوصول لمنطقة اتخاذ القرار، وتظل رحى السلطة تدور في أيدٍ معينة لتطحن كل قيم الديمقراطية والنزاهة والشرف.في إيران على الأقل هناك أصوات ترتفع بالمعارضة، سواء كان لها صدى أو لم يكن، لكن حالات أخرى لا يمكن أن ترتفع فيها الأصوات وإلا اتهمت بالفوضوية وإثارة المتاعب وشق الصفوف، ليبقى الحال على ما هو عليه، وكأن الدنيا عقمت من إنجاب غير فئة تمارس الديمقراطية ولكن بأساليبها الخاصة البعيدة عن الديمقراطية. من يدري في منظومة انعدام القيم هل سترضى المعارضة بأن تغادر موقع السلطة إذا آلت إليها؟ هذا السؤال الصعب مرهون بوعي من يملك السلطة، إن أرادها وسيلة لتنفيذ مشروعه الانتخابي، أم وسيلة لتحقيق مآربه الشخصية، وتعزيز مكاسبه الذاتية، مع أن الممارسة الديمقراطية تقتضي بالضرورة إتاحة الفرصة للآخرين لإثبات قدرتهم على تحمّل المسئولية، بدل الاحتكار القسري لهذه المسئولية واقتصارها على عدد محدود يتكرر في كل دورة انتخابية.هل هذا هو ثمن الديمقراطية؟ أم ثمن الجهل والجشع اللذين يسيطران على عقول من يزعمون تبني الديمقراطية؟.