محمد العلي
في الزمن الغابر المدقع والأيام العجاف، كانت كلمة «ترفيه» لم تولد بعد ولم تدخل كلمة (فراغ) في أي سمع لأنها لم تعرف الطريق الى أي لسان.. وكان كل ما يتعلق بمعنى البهجة منحصرا في الشعر.. كان الشعر هو الحديقة والتليفزيون والمدرسة والجريدة والمسرح.لذا كانت منابر الشعر في العواصم الحضارية لا تعرف الصمت.. إنها مشغولة دائما بتوديع هذا واستقبال ذاك من الشعراء.. وتطرب حتى هي حين تنظر إلى الرؤوس المحدقة بها تتمايل طربا ونشوة.هذا الواقع ولّد حالة من الادعاء الزائف عند سامعي الشعر في الأجيال المتعاقبة.. فهم جميعا يتسابقون على التظاهر بفهمه ونقده وأكله وشربه.. وهم جميعا إن لم يكونوا شعراء فعلا فإن كرمة الشعر مغروسة في كل واحد منهم وسوف تتدلى عناقيدها قريبا.أعده وما قبلهتعبير يتردد كثيرا في هذه المحافل ينطق به الحاضرون جميعا ليبرهن كل واحد منهم أنه يفهم الشعر أكثر من أبي تمام أو طه حسين.. وفي أحد الاحتفالات وقف الشاعر خلف منصة الإنشاد. وبعد أن سل صوته من النحنحة وانتهت عيناه من إلقاء الإعجاب بالحاضرين واتساع سامعهم بدأ في نثر لؤلؤه وكان الاجتماع كله على استعداد للقول (أعده وما قبله) ما ان ينتهي الشاعر من قراءة المقطع. ولكن أحد الحاضرين للبرهنة على غوصه في الأعماق.. وبعد أن قرأ الشاعر مطلع قصيدته صرخ فيه: أعده وما قبله.وهنا سقط الشاعر من كبريائه و(اسود ظنه) بالسامعين جميعا وترك المنصة وسط أمواج من الضحك والذهول.. وأنا على يقين من أن تركه للإنشاد قصيدة قد تكون أجمل من قصيدته التي في يده:هذا الذي قال: أعده وما قبلههل شعر بالخجل؟لو وجه هذا السؤال لأدونيس لأجاب:كلا.. لم يشعر بالخجل لا هو ولا أحد من الحاضرين، بل ولا الشاعر نفسه.. الذي شعر بالخجل كان جالسا بعيدا عن الاحتفال.. يسمع الضوضاء من بعيد وينخرط في البكاء (إنه الشعر) يا صاحبي.أما لو وجّه هذا السؤال إليّ فسوف أقول بعد النحنحة: هذا القائل هو أحذق الحاضرين للشعر وأعمقهم فهما.. لقد كان مطلع القصيدة هو:وما يدريك عن جهل السواقي إذا لم تدر ما معنى البواقيوحين سمعه هذا «الزلمه» فهم فورا أنه لا فرق بين هذا البيت والصمت الذي كان قبله.. فهو بقوله أعده وما قبله يدعو الشاعر إلى الصمت.هل توافقه؟