محمد العلي

محمد العلي

اول ما يستوقف النظر في تعبير (الامن الثقافي) هو التنافر الواضح بين مفردة أمن ومفردة ثقافة فالامن هو عدم الخوف.. والخوف لا يكون الا من شيء مضر ماديا أو نفسيا مثل المرض والجوع والقهر.فنقول الأمن الصحي او الأمن الغذائي او الأمن الديمقراطي.. في حين ان الثقافة كل ما يتعلق بالعلم والمعرفة وزيادتهما.. وهذا لا يمكن ان يكون معه ضرر يحتاج الى بناء السدود أو تجريد السيوف.ولكن هذا ما يبدو للنظرة السريعة، فالمسألة الأمنية الثقافية لا ينظر اليها من هذه الزاوية الايجابية، ذلك لأن الامن الثقافي لا تنبع ضرورته من الخوف من الثقافة.. بل تنبع من الخوف على الثقافة.والخوف على الثقافة ينشأ حين تقف عن التطور، حين تعجز خطاها عن موازاة القوافل الفكرية والعلمية، حين تعجز عن بناء الجسور التي نقلت مجتمعات عديدة دائما من ضفة الى اخرى.. من كهف الى افق، أي الخروج من الظلمات الى النور.(ولا قرار على زأر من الاسد)هكذا يعلمنا الشاعر الجاهلي.. ولكن الغريب اننا لم نتعلم.. فنحن نائمون، او ان ثقافتنا نائمة والثقافة الاخرى تزأر قريبا منها، بل في داخلها.. وحين (نصحو ) بين فترة واخرى وتستنجد بنا هذه الثقافة.. نقول لها انتظري الى ان تحيي الماضي فيحيك معه.لا احد ينكر ان الخوف هذا خوف مشروع، بل ضروري لأنه خوف وجودي تماما مثل الامن المائي.لأن الثقافة هي اللغة وهي الذاكرة وهي البناء النفسي والاطار السلوكي ونبضات الشعور والوجدان وحتى هذيان اللاشعور.. انها طريقة الحياة لا طريقة التفكير وحسب.ولكن رد فعلنا على هذا الخوف كان الانهزام بدون ما يتمتع به المنهزم من الصمت، بل اننا بفصاحة لا يشق لها غبار نفتخر بأن الماضي الذي نفر اليه هو كل مصادر ومنابع الثقافة الاخرى التي نطلب منها الامان، وهذا فرار آخر اشد من سابقه مضاضة.في كل كتاباتنا عن أي أمن نتكلم عنه وحده وكأننا حين نصل اليه وصلنا الى جميع ما نحتاج الى الامن فيه - مثلا - حين نتكلم عن الامن الثقافي نتكلم عنه وحده منفصلا عن الامن المائي والامن الديمقراطي في حين ان كل هذه عناصر مترابطة في الحياة لا تكتمل بجرء واحد.. فالامن الثقافي ليس ممكنا فقط بالتحصن من الثقافة الطوفانية المتدفقة من الآخر، بل الى ذلك يتطلب توفر الامن الديمقراطي والقانوني وغيرهما من ضروب ما يضمن استمرار الحياة كما يتمناها الانسان على الارض.(اننا نتنفس تحت الماء)أليس كذلك؟