حسن السبع

حسن السبع

كلما رآني، مصادفة، استوقفني ليعاتبني عتاب الحاجب الهمام للشاعر أبي تمام: لماذا لا تخاطبنا بلغة مواتية واضحة دانية.. يفهمها المتعلم، ولا تستعصي على إدراك (المبلّم).. تتناول قضايا الساعة، وما يتصل بشؤون الجماعة.. تضع بها النقاط على الحروف، ليتجاوز عدد قرائك خانة المئات إلى الألوف.. لا يربطني بالرجل سوى ما يربط القارئ بالكاتب، مما يجعل احترام وجهة نظره أوجب من الواجب، لذلك، وحده، لم أقل له ما قاله أبو تمام للحاجب. هذا الصباح جئت إلى طاولة الكتابة بهمة عالية وثابة.. حدقت في الورقة البيضاء، فلاحت لي طلعته الغراء. قلت لنفسي: غدا حين أذهب لشراء (الجورنال) سأراه هناك، وسوف يسمعني مرة أخرى ذلك الموّال. وعقدت العزم على أن أنفذ ولو لمرة واحدة بعض اقتراحاته، فلعلني أحوز على مرضاته.. سأبحث عن مواضيع أخرى للكتابة، لا تسبب لصاحبنا عسر الهضم وما يتمخض عنه من ضيق وكآبة. بقيت الورقة بيضاء ناصعة، من الساعة الثامنة صباحا حتى التاسعة.. ولما أعيتني الحيلة، رأيت أن أشرح له المسألة شرحا يبلُّ غليله.. ليجد إلى القراءة المناسبة سبيله.. استعرت أسلوب بديع الزمان، كي أخاطب ذلك (الجنتلمان). فكان مني هذا البيان الذي أتمنى ألّا يكون ضربا من الهذيان. سيدي الهمام .. أستطيع، إذا أردت أن أستعرض قضايا الشأن العام، وهموم الخواص والعوام، وأن أكتب باللغة (المحكية) مدعمة بالأمثال الشعبية، فلا يدعي غموضها معترض، أو يحتج على مضمونها ممتعض .. غير أن الكتابة لا تأتي حسب الطلب، ولا تطبطب على كتف القارئ سريع العطب.. وللناس فيما يكتبون مذاهب، وغايات ومآرب. حاولت، يا صديقي، أن أنفذ اقتراحك فأكتب عن غلاء الأسعار، وشطارة بعض التجار، أو عمن ندعوهم، مجازا، مستوري الحال الذين لا يعرفون موسم الهجرة إلى الشمال، ولم يسمعوا بالبيكادللي ولا البيجال .. واجتهدت أن أكتب عن مؤشر الأسهم الأحمر الذي أتى على اليابس والأخضر، ولعب بعقل شيبوب وعنتر، وعن برامج السعودة، ومشاكل بعض العمالة الوافدة، وعن الأساليب غير النمطية في تشخيص أمراض البيروقراطية. تذكرت، كذلك، أن لدي قدرةً على الإنشاء في الكتابة عن تعنيف الآباء للأبناء، وهيمنة الرجال على النساء.. وعن الخلاف إذا نشب بسبب عدم تكافؤ النسب، وعن انتهاك حرمة الإشارة، وتفحيط الشباب المرضى بالفراغ في طرقات الحارة. وعن قيادة المرأة للسيارة، وظاهرة تمزيق المقررات بعد انتهاء فترة الاختبارات، وحوادث السيارات التي تقلّ المعلمات، أو تأثير الشغالات في سلوك الأولاد والبنات. سيدي الهمام .. دعني أقلها لك ناصعة صريحة: إن المواضيع اليومية التي تقترحها ليست نادرة أو شحيحة، وما زالت مواضيع الكتابة في الذاكرة تترى، فهل أمطرك بعناوين أخرى؟ هل سمعت بالتنقيب عن الزئبق الأحمر بين (براغي) ماكينات سنجر؟.. وهل أتاك حديث الاختناقات المرورية، وكيف تفقد المرء عقله، فيأخذونه إلى العصفورية ؟ وماذا تقول عن الخطر المتفاقم من تدني مستوى النظافة في المطاعم؟ وهل اطلعت على كتاب (فوضى الغابة في غياب الرقابة) أو (كتاب الأضداد في حوار سين وصاد)؟ وهل سبق لك أن تصفّحت كتاب (الخفايا والأسرار في زواج المسيار)؟ أو كتاب (الغابن والمغبون في مسابقة شاعر المليون) وهل وقفتَ على معاناة المحقق المدقق لكتاب (المبتدأ والخبر في مواصفات مزايين البقر) وما أثاره ذلك الكتاب من ضجة ورجّة في بلاد العرب والفرنجة.. وهل سمعت بالكتاب المعنون (موقف دون كيشوت من وجاهة قوامها ارتداء البشوت)؟أعرف، يا صديقي، أن القضايا كثيرة، والمادة في تلك الشؤون غزيرة، وأن العين بصيرة، واليد التي تكتب عنها ليست قصيرة .. ولأن مثل هذه المواويل على قفا من يشيل، وهي كلها من هذا القبيل، فقد يذهب كلامي «شذر مذر»، أو أصبح كجالب التمر إلى هجر. واعلم، يا رعاك الله، أنه لولا اختلاف الغايات والأذواق، لكسدت السلع في الأسواق.. وأن مقالا في صحيفة يومية عابرة، قد لا يعمر طويلا في الذاكرة. لذلك رأيت أن أتجاوز، قدر المستطاع، حدود الرتابة، وأطرق أبوابا أخرى للكتابة، أقرب، أحيانا، إلى روح الدعابة، مع الاعتذار لأصحاب الوقار والمهابة.. حاولت أن أنفذ اقتراحك السهل اليسير، فلم تسعفني القريحة إلا برسالة تربيع وتدوير.hsn_saba@hotmail.com