محمد العلي

محمد العلي

بين فترة وأخرى ينشط تداول هذا العنوان (الأمن الثقافي) في الساحة الفكرية.. أي إنه مثل غيره من عشرات المفاهيم التي تغيب وتظهر لا لتحديدها والإضافة إليها.. ولا لتقري ما زرعه التاريخ فيها من آثار أقدامه.. بل لأنها لم تنل الضوء الكافي لإيضاحها من الأساس.. أي إن الأمن الذي هو الاطمئنان وعدم الخوف لم يتحقق.وحين يصل بعض الكتاب إلى السؤال: كيف يتحقق الاطمئنان؟ ترى قلمه وقد اكتسى فورا بحمرة الخجل أو الإصابة بوجع المفاصل، فهو لا يستطيع المشي خطوة واحدة.. وهذا ليس عائدا إلى جدب فكري، بل عائدا إلى طريقة تناول هذا الموضوع وصحة أو عدم صحة الخطوة الأولى أو الاتجاه.آخر ما قرأت حول (الأمن الثقافي العربي) مقال طويل للدكتور حسن حنفي في الاتحاد الإماراتية.. بدأه هكذا: (إن ثقافة كل امة تعبر عن المرحلة التاريخية التي تمر بها) بعد هذه الجملة الذهبية المنطلقة من النظرة التاريخية للثقافة.. نسي الدكتور ما أثبته فيها.. ثم راح يعدد ما حققه التراث في مختلف العلوم مقترحا:1 ـ جمع هذا التراث الموزع في جميع مكتبات العالم ونشره حسب الأولويات، فإذا كانت الأولوية لـ (العقلانية) نشرنا تراث المعتزلة، وإذا كانت الأولوية (رعاية المصالح) أعطينا الأولوية لعلم الأصول.. الخ ثم راح يعدد ثانيا وثالثا ورابعا.. ويكفينا هنا ما نقلناه للدلالة على الاضطراب الذي يحتويه المقال:أول ما يسأل عنه الدكتور حنفي هو السؤال التالي: ماذا نصنع لو كانت الأولويات جميعا في درجة واحدة من السلم ألا يجب علينا الأخذ بكل تلك العلوم المتناقضة في التراث دفعة واحدة؟ وكيف يمكن ذلك؟ أما السؤال الثاني فهو إذا كان (أن ثقافة كل امة تعبر عن المرحلة التاريخية التي تمر بها) فتلك العلوم التراثية عبرت عن مرحلتها.. وليس في استطاعتها أن تفعل أكثر من ذلك.. فكيف نبعثها من مرقدها ونطالبها بالتعبير عن مرحلتنا التاريخية الحاضرة؟يحاول الدكتور حنفي، كما حاول غيره من قبل ومن بعد (إحياء التراث) وهذا المصطلح ـ حسب مجدي وهبة- غربي في الأساس، هو (تسمية أطلقت على حركة إحياء التراث القديم اليوناني والروماني في الحياة الأدبية في عصر النهضة).هناك فرقان بين الإحياءين عندنا وعندهم، الفرق الأول هو أنهم احيوا شيئا غير مؤثر فيهم فهم لا يعرفونه أصلا.. أما نحن فنحاول إحياء شيء مؤثر فينا. إنه داخل شعورنا ولا شعورنا.. داخل سلوكنا ونظامنا السياسي وأخلاقنا.. ومن هنا يبرز الفرق الثاني وهو سرعة فهمهم لتراثهم وتجاوزه أي سهولة انفصالهم عنه.. أما نحن فلم نتجاوزه حتى اليوم.إن الذي يحتاج إلى إحياء نحن وليس التراث..