محمد العلي
«ومضى الزمان بعصوره التي توسطت بين قديم وحديث، ونهضت اوروبا نهضتها المعروفة التي كان من نتائجها هذا التقدم العلمي العجيب الذي ننعم اليوم بثمراته ونشقى.. أفتدري ماذا كان المفتاح الذي اداره الناس فاذا الارض غير الارض والسماء غير السماء؟هو ان استبدلوا منهجا بمنهج.. وفي المنهج العلمي الجديد كمن السر كله والقوة كلها.. كان الناس قبل ذلك ينهجون في تفكيرهم نهجا لا يصلح الا في نطاقه الخاص وهو ان تكون هناك تركيبة لغوية (نص) فاستخرج منها تركيبة اخرى.. ولذلك كان العلم كله ابان القرون الوسطى في شرق الدنيا وغربها على السواء ينحصر في استخراج النتائج من نصوص يضعونها بين يديهم ثم يعملون فيها مشارط التحليل.. وقد يكون النص (...) او تراثا قديما هبط اليهم من السلف.. لكن الطريقة واحدة في كلتا الحالتين.. اما وقد اراد الناس ان يلفتوا وجوههم لفتة جديدة يطالعون فيها الكون الفسيح بافلاكه وبحاره وسهوله وجباله فلم يعد يجدي ان ننظر في نص مكتوب امامنا لنحلله ونشرحه ونستخرج ماخفي من معانيه (...) وكان لابد من طريق جديد يسلكه الباحثون ليكشفوا الحجب عن سر (الطبيعة) التي تبدي امام النواظر ظواهرها وتخفي (قوانينها) فكيف السبيل امام الانسان ليكشف الغطاء عن تلك القوانين؟كان المنهج العلمي الجديد ذا و جهين تولى كلا منهما رجل : اما احد الرجلين فهو ديكارت الذي اراد ان يكون السير العلمي بادئا من فكرة داخلية نثق في صوابها ثم نمضي خارجين منها الى العالم الطبيعي وما وراءه.. واما ثانيهما فهو بيكون الذي رأى ان يكون طريق السير في الاتجاه المضاد بادئا من الطبيعة الى الفكرة» الدكتور زكي نجيب محمود.تكاد ترى الاجماع عند الباحثين على ما قاله الفيلسوف زكي نجيب محمود من قبله ومن بعده.. ولكن هناك رأيا لفيلسوف اخر يرى ان الطريق الاخر لم يفتحه بيكون بل ان الذي فتحه هو (سرفانتس) يقول ميلان كونديرا:«بالنسبة لي ان مؤسس الازمنة الحديثة ليس ديكارت فقط وانما سرفانتس ايضا (...) كل الموضوعات الوجودية الكبرى (...) قد تم اكتشافها واظهارها وتوضيحها بواسطة اربعة قرون من الرواية الاوروبية لقد اكتشفت الرواية بطريقتها الخاصة و منطقها الخاص المظاهر المختلفة للوجود الواحد بعد الاخر.. الخ».الرواية هي التي اكتشفت الوجود الداخلي المضطرب للانسان قبل علم النفس الاجتماعي وحتى قبل الفلسفة.. اقول هذا لاصل الى ضحالة قراءتنا للرواية.. اننا نقرؤها كحكاية وقد ساعد على هذا التسطح اغلب الروايات العربية التي وقفت في الحديقة الخلفية للكينونة الانسانية ولم تقتحم الداخل كما اقتحمته الرواية الغربية.هل نحتاج الى اربعة قرون ياكونديرا؟اظن ذلك ولكن في قرنين.