حسن السبع

حسن السبع

كلما ذُكرَ أحد المحظوظين من الذين إذا تثاءبوا أو سعلوا هتف المحيطون بهم: «عظمة على عظمة».. تذكرت عبارة برتولوني القائلة: «أحرزت تقدما لا لكفاءتي، بل لأن سيدي كان مصابا بداء المفاصل».. فإذا لم يكن برتولوني كفؤا، فهو إذن من أولئك الذين يصدق عليهم المثل الشعبي القائل: «يعطي الحَلَق للي ما لوش ودان». لكن، كلما اتسعت الهوة بين العلة والنتيجة زادت المفارقة غرابة، وكلما جاءت النتائج مناقضة للأسباب سلبا أو إيجابا علّقوا ذلك على مشجب الحظ. ولا يزدهر سوء الحظ فيصبح لدى المرء (سبع صنايع والبخت ضايع) إلا حين يكون الرئيس مصابا بروماتيزم الذائقة، أو بقصر النظر، أو بعمى الألوان. أي في البيئة التي تنعدم فيها معايير النجاح والإنتاجية والجودة. وإذا استثنينا قول شكسبير «وحده الحظ يحمل سفينة بلا رُبَّان إلى شطّ الأمان»، وكذلك قانون مورفي المتعلق بالمصادفة والقائل: «إن احتمال سقوط خبز مدهون بالزبدة على السجاد تتناسب طرديًّا مع قيمة السجاد».. أي كلما كان السجاد ثميناً كان احتمال سقوط الخبز المدهون بالزبدة عليه أكثر، وبذلك تتحقق تلفيات وأضرار مادية أكثر، إذا استثنينا فعل المصادفة هذا فإن الحظ مشجب تعلق عليه، دون وجه حق، نتائج اختلال وتناقضات ومفارقات الواقع، وهي جميعا من صنع الإنسان. قد تتساوى في إطار تلك التناقضات والمفارقات الغريبة النباهة والبلاهة، والجد والتنبلة. ومن يستعرض الأدبيات التي تتحدث عن الحظ يدرك أن سيمفونية الحظ لا تعزف، سلبا أو إيجابا، إلا في الظروف والأوضاع الخطأ التي تغيب فيها المعايير، وتميل فيها كفة الموازين لصالح المحظوظين. إن داء المفاصل الذي ساهم في تقدم برتولوني لا يصيب الأفراد فحسب بل تصاب به المؤسسات كذلك. وحين تصاب المؤسسة بداء المفاصل ينعدم مبدأ تكافؤ الفرص، ويجد المحظوظون البيئة المناسبة للتسلق والوصول، وهنا يأخذ المفضول مكان الأفضل، لا لكفاءة الأول، بل لسواد عينيه.. ويندرج تحت مسمى (سواد عينيه) عناوين كثيرة بدءا بالمحسوبية وأخواتها، ومرورا بالواسطة وخالاتها، وانتهاء بغياب مبدأ تكافؤ الفرص. إن أحد الأسباب الرئيسة لهجرة العقول هي البحث عن مؤسسات تتكافأ فيها فرص النجاح والتقدم، مؤسسات لا تشكو من روماتيزم البيروقراطية والمحسوبية والعشوائية والاصطفاء الطبقي والعرقي والقبلي. لكن الهجرة لا تكون من مكان إلى آخر فحسب، فقد تكون من زمان إلى آخر. فالإبداعات والأفكار التي سبقت زمانها هاجرت إلى أزمنة لاحقة. لم يستيقظ (حظ) فان جوخ، على سبيل المثال، إلا بعد أن شبع موتا. صارت أعماله الفنية تباع بملايين الدولارات. ذلك أنه عاش في وسط فني واجتماعي لم يستطع استيعاب أو هضم تجربته الفنية. وإذا كان برتولوني قد أحرز نجاحا لأن رئيسه مصاب بداء المفاصل، فقد حقق فان جوخ في حياته فشلا مريرا لأن الوسط الفني التقليدي كان يعاني روماتيزم الذائقة .. فكان الحظ يقف في جبهة الدفاع عن أصحاب الذائقة التقليدية الذين اعتبروا محاولات فان جوخ وزملائه شكلا من أشكال الهرطقة الفنية. كان بيكاسو، بعد ذلك، أوفر حظا فلم يمش في جنازة مجده وهو حي بل قطف ثمار موهبته وهو على قيد الحياة. إن تأمل حياة المحظوظين من حولنا ليس غاية بل هو وسيلة لمعرفة أفاعيل الحظ ومكتسباته غير النظامية، وعلاقة تلك المكتسبات بداء المفاصل الإداري والاقتصادي والثقافي والاجتماعي .. وكيف يؤثر ذلك سلبا على عاثري الحظ من الأكفاء والموهوبين. تأمل، مثلا، الشهرة التي قد يحظى بها كاتب هيأ له داء المفاصل الإعلامي وظيفة أو مساحة في إحدى الصحف الصادرة فيما رواء البحار، فهو يفتي في الشأن السياسي بشكل لا يختلف عن أي منشد في جوقة، ولذلك لا يستطيع مثل هذا المحظوظ أن يدهشك لأنك تعرف سلفا ما سوف يقول، ولأنه لا يوجد فيما يكتبه شيء مغاير لما تردده الفضائيات الشقيقة على وجه التحديد. ومع ذلك، سوف يجد من يصفق له قائلا: «عظمة على عظمة»! ألا تَصْدق على هذا المحظوظ عبارة برتولوني التي افتُتِح بها هذا المقال: «لقد أحرزت تقدما لا لكفاءتي، بل لأن سيدي كان مصابا بداء المفاصل»!hsn_saba@hotmail.com