محمد العلي
فتش ذاكرتك حتى آخر رف لم يحجبه ظلام النسيان.. فلن تجد فيها نداء واحدا يقول: يا نهار، يا شمس، يا وضوح تجد فقط يا ليل، ياقمر، يانجوم.ترى لماذا؟لان الفرد البشري لا يتحد مع نفسه الا في الليل.. في الليل تفيض كل الآبار المحبوسة في داخله تلقائيا.. يرى نفسه في مرآته هو لا في مرآة النهار الاجتماعي والشمس المشاعة والوضوح المليء بالاقنعة في الوجوه وعلى القلوب.. فهو يصرخ يا ليل ويعقب بعدها يا عيني تلك التي فقدها في النهار ويريد ان يبصر بها الان، حين انفرد وتعرى امام ذاته.لقد ورثنا من الانسان الاول الخوف من الليل.. زرعه في اللاشعور باعتباره وسيلة لاصطيادنا من الوحوش المفترسة والاشباح الجائعة.. وبقي هذا الارث متواصلا مع البشر حتى بعد ان نسي الانسان معنى الكهف وجرد الاشباح من انيابها المتخيلة، ولو فتشت شعرنا حتى العصر الذي نحن فيه وعلى الرغم من ان الشعر لغة الوجدان لوجدت الرعب من الليل والظلام هو الظاهرة العامة فيه، فهذا الشاعر صالح عبدالصبور يصرخ:(الليل ياصديقتيينفضني بلا ضمير..)حتى السياب انشطر بين الوعي واللاوعي ففرق بين ليل وليل، فهناك ليل اللاوعي يفترس العالم وهناك ليل الوعي الذي عبر عنه بقوله:(الشمس اجمل في بلادي من سواهاوالظلامحتى الظلام هناك اجملفهو يحتضن العراق)اما فيروز فتنقلنا الى افق آخر حين تشدو:(من غير حبكشو الغنياتشو الليل شو الواديشو الاسحار)هنا نجد الليل غير متميز عن سائر الاشياء، ان اساس الخوف او الامان هو الحب.. الحب وحده هو الذي يعطي المعنى لليل والنهار والنهر والصحراء وحتى الصومعة والكهف.الشاعر احمد العلي هو الذي خرج او تمرد على الإرث التاريخي الراسخ في اللاشعور عن الليل.. فهو يقول:(هذه امة لا تفقه الليلقالوا: ستارة سجنواللاضوء فيه يعني الموتاجلو وجه عشتار وجه مهياروجوه الارض الغائبةواسأل:متى اذن نوقد النار)متى نوقد نار الوجدان حين نعتبر الليل سجنا؟ولكن ذلك يحتاج الى (فقه) جديد لهذه الامة ترى من خلاله ما رآه ابن زيدون.(وكانت بكم بيضا ليالينا)