محمد الحرز

محمد الحرز

يضع المؤرخ عبدالله العروي يده على مكمن الداء الذي لازم تاريخ الفكر العربي الإسلامي حين يشير في كتابه «السنة والإصلاح» إلى معضلة العلاقة التي حكمت الفكر من جهة والواقع من جهة أخرى. حيث الثراء المعرفي والتنوع والقدرة على إعمال العقل على مستوى الفكر، بينما هناك فقر وجدب واضمحلال على مستوى التجربة أو الواقع. ص135. هذه الخلاصة هي نتيجة مسار معقد كما يراها تبدأ انطلاقا من أزمة سياسية تفرضها الأحداث والوقائع بحيث سرعان ما تتحول هذه الأزمة إلى مسألة فقهية يتداولها الفقهاء ويفتون فيها حسب رأي الشرع أو السنة, بناء على طلب الحاكم أو الخليفة. ثم بعد فترة زمنية المسألة ذاتها تحال إلى حقل معرفي آخر وهو علم الكلام بعد أن تُفرغ من محتواها الفقهي. بعدها تصل إلى يد الفلاسفة بعدما أخذت مسارات وتفريعات معرفية كثيرة إلى الحد الذي تفقد فيها (المسألة) أي صلة بالواقع بعد أن تجاوزتها الظروف والعوامل التاريخية التي ارتبطت بنشأتها في صورتها الأولى. وهو يسوق للتدليل على هذه الخلاصة مثالين: الأول مسألة ما الإيمان؟ والجدل الذي دار حول هذه المسألة وعلاقتها بأحداث الفتنة وكيف تطورت هذه المسألة على أيدي المتكلمين في عملية سجالية بين أطراف وفرق حيث الكل كان يبحث له عن سند تاريخي من مؤلفات أكثرها سابقة على الإسلام بحيث يقوي مركزه ويضعف خصومه الآخرين. وهكذا تنحرف المسألة عن مسارها في تشعبات كثيرة بعدما دفعتها أحداث الواقع إلى الواجهة. وبالطريقة ذاتها في المثال الآخر وهي مسألة العدل الإلهي التي جادلت فيها الفرق الإسلامية وبالأخص المعتزلة الذين يشبههم العروي برواقيي الإمبراطورية الرومانية في المسار والتجربة والأهداف. وهو جدل ظل حبيس الأفق النظري ولم يستطع أن يتطور بإزاء الواقع الذي تشعبت قضاياه وانفلتت عن أي ضبط يعيد صلتها بهموم الواقع. انطلاقا من هذا المنظور في التحليل الذي يرصد علاقة الفكر بالواقع في إطار التاريخ العربي الإسلامي لم يتخل عبدالله العروي عن تاريخانيته. لكنه بالمقابل استدعى أسلوب المحاورة في تحليل مجمل أفكاره، وهو تقليد فلسفي عريق منذ محاورة أفلاطون.الكتاب منذ البداية قائم على رسالة من سيدة كان دافعها الخوف من المستقبل, وبسبب كونها تعيش في الغرب وهي ذات أصول عربية تربت تربية علمانية تزداد مخاوفها كثيرا خصوصا في مسائل بدأت تأخذ الصدارة في الاهتمام كمسألة الهوية الدينية والاجتماعية والطائفية والعرقية. لقد وجد العروي الفرصة سانحة لبناء تحليله على مثل هذه الرسالة.أولا- لأن أهميتها لا تكمن فقط في الإشكالية التي تطرحها الرسالة من شرخ عميق تعيشها السائلة على مستوى الهوية. لكن يضاف إلى ذلك هو في كونها أي السائلة تمثل الإشكالية نفسها التي تعيشها أغلب الجاليات العربية الإسلامية في الغرب, والتي ولدت وتربت هناك أو تزاوجت واختلطت عرقيا بالشعوب الأوروبية.ثانيا- وفّر هذا النوع من العرض الأسلوبي المراجعةَ الشاملة للتاريخ العربي الإسلامي دون الالتزام بالضبط المنهجي في العرض والتحليل. لقد أباح العروي لنفسه أن يتحدث عن خصوصية العلاقة التي كونت منهجيته في قراءة التراث والتاريخ من غير أن ينساق إليها كلية في التحليل، ودون أن يغفل من جانب آخر الإشارة إلى السمات العامة التي صنعت منهجية التفكير في الثقافة العربية الإسلامية من قبيل إشارته إلى غلبة شخصية الكاتب أو الفيلسوف أو الأديب على نتاجه الفلسفي أو الأدبي في مسألة المعيار المتخذ في تقييم الأعمال ودراستها. مثل هذه المنهجية في التقييم لم ترتبط بالفكرة نفسها بقدر ارتباطها بشخص المؤلف أو الكاتب. وهذه من الإشكاليات التي يحللها العروي بدقة.ثالثا- هذا التردد في الحركة بين العرض الذاتي تارة والموضوعي تارة أخرى سمح للعروي أن يعيش الإشكالية من العمق. فهو فيما يحلل أزمة الفكر العربي الإسلامي فإنه يبين صعوبة المناهج التي تواجه الباحث في مثل هذه الأزمات. لذلك خلص إلى أن المكاشفة والذهاب إلى فتح جميع الاتجاهات لقراءة التاريخ العربي الإسلامي هي الكفيلة للوصول إلى نتائج مبتكرة على مستوى التفكير والنظر.رابعا- هذه الخلاصة كانت ترتكز عنده على مفهوم المراجعة الشاملة كما أشرنا سابقا، وهي مراجعة كانت ترصد حقبة تاريخية تمتد من بداية القرن الرابع قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام في أواسط القرن السادس بعد الميلاد, وهي الحقبة التي تسمى تاريخيا بالعصر الهلستيني. إنها حقبة فتوحات الأسكندر المقدوني.العروي يرى أن هذه الحقبة هي التي ينبغي التركيز عليها وهي الأساس في صناعة الذاكرة الثقافية الدينية والاجتماعية لشعوب المنطقة, وهو فيما يشير يحلل كيف يمكن أن تصنع ذاكرة أمة بأكملها بناء على علاقتها بحقبة تاريخية معينة. وهكذا يذهب العروي في تحليل بقية المنعطفات التاريخية التي ساهمت في تأسيس ذاكرة الأمة الإسلامية حيث يأتي تركيزه على تشكل مفهوم السنة كإحدى المفاهيم انبتت فوقها ذاكرة ثقافية لا يمكن إزاحتها إلا بسلطة مضادة في التفكير والمنهج والنظر. لم يسع العروي في كتابه إلى التركيز على قضايا جزئية ومن ثم تحليلها في تاريخ الفكر العربي كما هو في الكثير من الدراسات التي قاربت التراث والتاريخ, حيث مثل هذا النوع من التركيز يفقد الدراسات التاريخية شموليتها في الرؤية إلى التاريخ. ويوقعها في فخ السقوط بالنظرة الضيقة وكذلك الإيمان باليقينيات المطلقة جراء اتكائها على قضايا جزئية مثل الدراسات التي تخرج بعناوين من قبيل «وحدة الوجود في فلسفة ابن عربي أو الشعوبية في العصر الأموي» أو الثورات في العصر العباسي، وهكذا دواليك. النظرة الشمولية تتطلب تحليل ما يسميه بروديل «بالمدة الطويلة» وهذا ما ذهب إليه العروي في تحليله حيث العناصر التاريخية المتباعدة والأحداث التي لا يمكن ربطها آنيا يمكن أن تجد لها من خلال مفهوم المدة الطويلة ربطا منطقيا وتحليلا عقلانيا كما هو التوصيف الذي صدرنا به المقالة والتي أشارت بدقة في نظرة شمولية إلى مكمن أزمة الفكر العربي الإسلامي في علاقته بالواقع. ربما هذه إحدى الصعوبات التي تواجه المؤرخ كون التاريخ العربي الإسلامي راكم الأحداث والوقائع دون أن يصاحب ذلك تراكم منهجي في الرؤية إلى التاريخ من العمق. ردم الفجوة هو العمل الذي يقوم به العروي في هذا الكتاب.Mohmed_z@hotmail.com