نجيب الزامل
تحدثت بالأمس عن الطريق الصعب الذي اختاره «معن الصانع» وأنا لم أكتب عن السيد «معن الصانع»، أبدا. ولا مرّة. وكان معنٌ مادة للكتابة، فهو شخصية فرضتْ سطوعَها في سماءِ الأعمال في المنطقةِ الشرقية، وفي المملكة، ثم في كامل المنطقة.. ولكني لم أتطرق إليه لا من قريبٍ ولا من بعيد. ليس لأني لا أهتم، أو أنه لا يعنيني، فليس شخص على الأرض وتعرفه لا يعنيك، بل يجب أن يعنيك، لأن مدى عنايتك بوجود الآخرين الذين تعرف هو تعزيزٌ لمدى وجودك بذاتك. ولكن لم يكن معنٌ بحاجةٍ أن يكتب عنه أو حوله أحد، هذا بيدٍ، وبيدٍ أخرى، لأنه كثيرا ما كتـَب عنه الكتـّابُ. فإضافة مقالٍ أو عدمه لا تعني بذاك الحال شيئا جوهريا بأي حال. ولكن معن الصانع الآن ضمن هذه الأعاصير التي تضرب الدوائرَ المالية. وهنا يجب أن أكون معك دقيقا بقولي «المالية»، ولم أقل لك «الاقتصادية» بشكل عام، فبرأيي الشخصي الأكيد أن الناتجَ الأرضي متزايد ومتواتر، ولكن العبث هو في المال، لما يكون المالُ ليس دليلا لقيمة ذلك الناتج الأرضي، وليس تجارة فيه، وإنما متاجرة فيه. والمتاجرة هي ضرب الاتفاقات التي لا تهتم بالشراء المباشر، وتحقيق الفائدة استخداماً أو إعادة بيع، ولكن لغرض واحد وهو اللعب على المسافة الزمنية والتوقعات الظرفية من أجل تحقيق الربح.. وكنا سميناه هنا بيع المال بشراء المال. أهلُ المال من مصارف ومتعاملي البورصات العالمية ودور الاستثمارات، ودخلت كوسيط أدائي، المحاسبة المشبوهة التي وفرت الأغطية الخفية، والشركات الأشباح، ورمي الإشاعات المدروسة، وخلق الظرف المصلحي على حساب الظرف الموضوعي، هم الذين قادوا إلى دورةٍ خبيثة من المال، انتفخت بالوناً هائلا بهواءٍ فاسد على كل سماء الاقتصاد الكوني، ثم انفجرتْ، فابتلعت التخليقاتُ الاقتصاديةُ الكبرى الهواءَ الفاسدَ.. وبعضها مات أو كاد. وانظر إلى العدل القدَري، أول الضحايا هم مسببو الكارثة. لذا قلنا أن الدوائرَ المالية منها وإليها مشاكل الاقتصاد الحالي، بمجرد أن توقف أدوارُها في المتاجرة في أسواق السلع، وضرب الودع في صفقات المستقبل، ودسائس المحاسبة، فإن الجسدَ الاقتصادي ستدور به دماءُ العافيةِ من جديد.ونعود للسيد معن الصانع، فهو من الرجال الذين بدأوا بالمال، ومن بيتٍ ماليِّ مصرفي محترم يتبع لعائلةٍ تجاريةٍ عريقةٍ ومحترمةٍ هي عائلة القصيبي، ونجح الرجلُ في بدء أعمالٍ ربما من خلال الخبرة التي جمعها في ذلك المكان، وربما تسنـّتْ فرصٌ أخرى اقتنصها بذكاءٍ وفطنة، على أن السيدَ صانع كان بإمكانه أن يستمر في الصناعةِ المالية، ولأمر غريب لم يفعل.. مع أن أسهل صناعة وأربحها في بلادنا هي صناعة المال والصيرفة، وصناعة العقار.ولكن الصانعَ ارتأى شقّ طريقٍ صعب.. اختار الصانعُ ربما لجسارة غير معهودة، وربما لطموح فردي، وربما لرغبة وطنية، وربما لكل هذا الأشياء مجتمعة أن يختار أشق الطرق في الأعمال التي عادة لا يختارها إلا من تضيق دائرة الخيارات أمامهم..najeeb@sahara.com