حسن السبع
أشرتُ في مقالٍ سابق إلى أن العالَم مهووس بالرشاقة الجسدية، ولذلك فهو يصرف عليها أموالا طائلة، مع أن الرشاقة الذهنية أولى بالعناية. ذلك أن ترهلَ الأجسام أهون من ترهل العقول، وأن تصلبها أسهل من تصلب الطباع. لنختبر تلك الرشاقة الذهنية في ضوء تعاملنا اليومي مع كلمة (لا) وشقيقتها(نعم). تقال كلمة (لا) تصريحا حينا وتلميحا حينا آخر. والأمر منوطٌ في كل الحالات بمقدار خفة أو ثقل الكلمة لدى المرسل والمتلقي، وبما يتمتع به المرسل من رشاقة ذهنية عبر عنها المتنبي بقوله: «فلْيُسْعِدِ النطقُ إنْ لم تُسْعِدِ الحالُ»! لذلك قد تأتي (لا) هينة لينة ومغلفة بغلاف أنيق، أو فظة غليظة. ومن وجهة نظر الكاتبة الأمريكية جان روبين فإن طرق التعبير عنها تختلف من ثقافة إلى أخرى. وقد رصدت طرق بعض الثقافات في الإجابة ب (لا) في بعض الظروف والحالات التي تستدعي الرفض أو الاعتذار. الأمثلة على صيغ استخدام (لا) هنا أو هناك كثيرة. فصيغة رفض طلب من رئيسك في العمل تختلف عن صيغة رفض طلب من ابنك أو زميلك في العمل. لكل موقف (لا) تناسبه. ففي الحالة الأولى لابد وأن تأتي (لا) ممزوجةً ببعض التوابل والبهارات ليسهلَ على المتلقي (الرئيس) استساغتها أولا ثم هضمها ثانيا. وفي الحالة الثانية قد تأتي مباشرة وبلا ديباجة أو مقدمات. وإذا كانت جان روبين تتحدث عن تباين الطرق التي تقال فيها كلمة (لا) فإنني معني هنا بالحديث عن المواقف التي تمثل فيها (لا) وشقيقتها (نعم) دور البطولة.يقول الشاعر العربي: «حسنٌ قولُ نعم من بعد لا.. وقبيح قول لا بعد نعم»! ولو فَصَلْتَ هذا البيت عن السياق الذي قيل فيه، لما صمد طويلا، فهو، إذن، ليس قاعدة ثابتة، لذلك فقد تأتي (لا) غاية في الحسن والبهاء والرشاقة حين تستخدم في مكانها الصحيح ووقتها المناسب. سواء جاءت بعد (نعم) أم قبلها. وهي ليست كذلك حين تضيع فرصا وتخنق آمالا، وتئد مشاريع بذرائع متهافتة. وسواء جاءت (لا) متبَّلة مبهّرة، أو مزخرفة مزوَّقة، أو جافة حافة، فإنها أبهى وأنظر بكثير من (نعم) المزيّفة الكاذبة. (نعم) التي تحملها على محمل الجد، وتعقد عليها الآمال، وتلغي من أجلها كل ارتباطاتك، وتعطل كافة مشاريعك. ثم يأتي موعدها فلا تأتي. وتبقى في انتظارها طويلا فلا تأتي. مشكلتنا، إذن، ليست مع الاعتذار بـ (لا) بل مع الإجابة بـ (نعم). عندما تكون (نعم) عابثةً، غيرَ منضبطة، غيرَ مسؤولة، وغيرَ حضارية. المشكلة هي في التعامل مع (نعم) رخيصةٍ إلى حدّ الابتذال. نعم التي تعدك بلبن العصافير، أو تعطيك القمر بيد، والشمس بيد أخرى، ثم تتركك فريسة للظلام، وأسيرا للانتظار. و (نعم) هذا الحمل الكاذب موجودة في حياتنا الاجتماعية بشكل يومي. يقولها عرقوب الذي لا يحترم مواعيده، والعامل الذي يوقع على عقد العمل ولا يفي بالتزاماته، ويقولها المستأجر وهو يوقع على عقد الإيجار، والمقترض قبل أن يحصل على القرض، ومتعهد النظافة الذي يترك شروخا في وجه المدينة. والمقاول الذي يماطل في تنفيذ المشاريع المتفق على إنجازها في وقت محدد. ومرشح الانتخابات قبل فوزه. تلك هي (نعم) شقيقة السراب الذي يحسبه الظمآن ماء. فماذا يمكن أن يضاف من قول عن شقيقتها (لا) في غياب الرشاقة الذهنية؟ في حياتنا، وعلى المستوى الفردي والجماعي، كثير من اللاءات غير المجدية. لاءات سياسية وأخرى اجتماعية. أما الطريف والمحزن في الوقت نفسه فهو أن مثل تلك اللاءات لا يكتشف فشلها وعدم جدواها إلا بعد فوات الأوان. سنوات تهدر، وفرص تصادر، وما لم نقبل به قبل سنوات نقبل بأقل منه بعد ذلك، ونناضل لإحراز ذلك القليل الذي يأتي ولا يأتي. هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الاجتماعي فقد كان يلزمنا شيء من الرشاقة الذهنية فنعترف بأن دوام الحال من المحال، وأن التطور قانون الحياة، وأنه لا توجد قيم نهائية، وأن (لا) غير الواعية هي تكريس للصلابة، وإلغاء للعقل وركون إلى نمط حياة قديم، وتعطيل للقدرة على الابتكار والتطوير والإنتاج.hsn_saba@hotmail.com