حسن السبع
لا يختلف تعريف ابن منظور للرشاقة عن أي تعريف حديث إلا في استخدام الأمثلة «يقال للقوس ما أرشقها ! أي ما أخفها وأسرع سهمها».. (خفة وسرعة) .. وقيل، والكلام لابن منظور، «أرشقتْ الظبية أي مدَّت عنقها» ولا يقال للبقر مرشقات لقصر أعناقهن .. وجيد أرشق أي ممدود .. والمشيق والممشوق خفيف اللحم أو الضامر.. (طول وقلة لحم) وطلب الرشاقة، إذن، هو البحث عن حسن القوام وقلة اللحم والشحم .. والنساء أكثر قلقا على قوامهن من الرجال، لكنك قد تجد إعلانا على الإنترنت يظهر رجلا أكرش، أي عظيم البطن، وفوق الصورة أو تحتها السؤال التالي: هل تريد أن تكون محبوبا ؟ والسؤال يوحي بأن المحبة تكتسب برشاقة الجسد. لا يتركنا ابن منظور وهو يتحدث عن رجل أكرش عند حدود الجسد البشري، بل ينقلنا إلى الحالة الاجتماعية والمالية، وإلى الكرش الذي يمثل في بعض الأوساط (وجاهة) فيقول: رجل أكرش : عظيم البطن، وقيل: عظيم المال. وينتقل ابن منظور بالفعل: كَرَشَ من الأجساد إلى الطباع، وهذا ما أريد الوصول إليه من الحديث عن الرشاقة.. يقول ابن منظور: «استكرش: تقبض وقطب وعبس» أي فقد روح المرح، وحس الدعابة، وأصبح فظا. الفنانون والفنانات أكثر هوسا بالرشاقة الجسدية، يصرفون في سبيلها أموالا طائلة، لكن بعضهم أقل اهتماما برشاقة الذهن، وبناء الذات، وهي رشاقة تكتسب بالتثقيف الذاتي .. لذلك تقول الشاعرة فروغ فرخزاد: «على من يمارس الفن أن يبني نفسه أولا بشكل كامل، ثم يخرج من ذاته وينظر إليها كجزء من الوجود ليستطيع تعميم كل المدركات والأفكار والمشاعر». قبل أيام شنَّ كاتب عربي هجوما كاسحا جارفا على مطرب عربي بسبب افتقار هذا الأخير إلى رشاقة الذهن واللباقة وحسن التعبير.. كان السؤال الذي وجّه إلى المطرب سخيفا، وكانت الإجابة عن السؤال أسخف .. أي جاءت إجابته «ضغثا على إبالة» كما يقولون. ولافتقار المطرب إلى تلك الرشاقة الذهنية فقد أساء إلى شعب بأكمله، كان السؤال يتعلق بالجمال، أي البنات العربيات أجمل وأيهن أقبح .. ولو كانت لدى ذلك المطرب تلك الرشاقة الذهنية لما ورّط نفسه في تلك المفاضلة، ولأدرك أن الجمال في كل مكان، وأنه في عين الرائي، وأن جمال الروح (الجمال الداخلي) أبقى من الجمال الخارجي الزائل .. ولو كانت لديه تلك الرشاقة الذهنية لما خسر بزلة لسان شريحة من المعجبين به.. شخصيا، لم أصل بعد إلى سر ذلك الإعجاب، لكن الأذواق لا تناقش .. ولولا اختلاف الأذواق لكسدت السلع. حكاية أخرى تعزز تلك المقدمة عن الموهبة الفنية المدعومة بالثقافة يسردها غابريل ماركيز في كتابه الممتع (عشت لأروي) وهي عن إحدى صديقاته الصحفيات أنقلها باختصار. ملخص الحكاية أن إدارة تحرير مجلة (السبت) الكولومبية قد كلفت المحررة الصحفية إلفيرا بيندوثا بإجراء مقابلة عاجلة مع مغنية الأوبرا الأرجنتينية بيرتا سينغرمان. يقول ماركيز: «كانت مكاتب تحرير المجلة آنذاك مركز اجتماع أشهر مثقفي تلك السنوات، فطلبت منهم إلفيرا أن يقدموا لها بعض الأسئلة للمقابلة». ومعنى هذا أن وراء كل سؤال كاتبا كبيرا .. لكن المغنية استقبلت أسئلة الصحفية باستخفاف. وليس غريبا أن يصدر مثل هذا التصرف من بعض نجوم الوسط الفني، فقد يمتلك المغني حنجرة حريرية، ويمتلك الممثل قدرة على الأداء لكن هذا كله لا يصنع شخصية فنية متكاملة. إنها مجرد موهبة بلا ثقافة وشكل بلا مضمون، ومظهر بلا جوهر. لم تكتب إلفيرا تقريرها من أجوبة مغنية الأوبرا الضحلة، إذ لا يوجد فيها ما يستحق النشر. وإنما كتبت ريبورتاجا عن مصاعبها معها، وعن استخفافها بأسئلة يبدو أنها لم تستوعب دلالاتها بسبب تلك الفجوة الفاصلة بين الموهبة والثقافة. وقد رفع ذلك الريبورتاج معدلات بيع المجلة أضعافا مضاعفة. ويعلق ماركيز على ذلك بقوله: «برود الأعصاب والذكاء اللذان استغلت بهما إلفيرا خواء المغنية لتكشف حقيقة شخصيتها دفعاني إلى التفكير في إمكانيات الريبورتاج الصحفي ليس كوسيلة باهرة لتقديم المعلومات وإنما كجنس أدبي».استطاعت إلفيرا بما تمتلكه من ثقافة ورشاقة ذهنية أن تزيل أقنعة المغنية من ماكياجات وإكسسوارات وملابس فاخرة وأضواء لتكشف عن ذلك الجانب الخفي من شخصيتها، ذلك الجانب المأهول بالفراغ.hsn_saba@hotmail.com