محمد الحرز

محمد الحرز

من المفارقات اللافتة للنظر فيما يخص التجربة الشعرية في المملكة,هي ما يمكن صياغتها على شكل السؤال التالي:كيف عاد الشعر المرتبط بتوظيف الرموز التاريخية والأدبية والأساطير والموروث الشعبي وتسلل إلى تجارب شعراء شباب كنا نظن كنقاد أنه خفت بريقه ولم يعد يغري كما هو الحال عند شعراء من أجيال سابقة عليهم؟ وعلى الرغم أيضا انتماء هؤلاء- زمنيا على الأقل- إلى تجربة القصيدة الحديثة في الوطن العربي باعتبارها قصيدة تخففت كثيرا من ثقل الموروث, حيث أصبحت تبحث لها عن مناطق تعبيرية ومخيلة شعرية وثيقة الصلة بذاكرتها القريبة منها وليست البعيدة. ولست أعني هنا مَنْ يكتبون قصيدة النثر الذين تخلصوا من تبعات الوزن والقافية, بالقدر الذي أشير فيه إلى القصيدة التي يكتبها شعراؤها انطلاقا من تصورات محددة تؤثر في فهمهم للشعر حين يكتبونه كتجربة شعرية, إذ مثل هذه التصورات حين يتم التعرف على مجمل سماتها وخصائصها نستطيع من خلالها الفرز وفهم التجارب الشعرية من العمق وليس من خلال التصانيف التاريخية التي تتسم بالسطحية في أغلبها. غرابة المفارقة أين تكمن كما ندعيها؟ أولا- ينبغي الاعتراف بحقيقة مفادها أن معظم الذين كتبوا عن المشهد الشعري وعن بعض تجاربه منذ أواخر السبعينات إلى مرحلة الثمانينات كانت تحكم رؤيتهم للقصيدة رؤى أخرى وثيقة الصلة بالمفهوم العام لتطور التاريخ. ما معنى هذا الكلام؟ معناه: إن إحدى أهم السمات التي رافقت موجة الحداثة الشعرية هي السمة التي نستخلصها من الفكرة القائلة أن التاريخ يتطور في خط تصاعدي ويتقدم من خلاله, وليس النص الشعري الحداثي سوى إحدى تجليات هذا التطور. ثانيا- راجت هذه الفكرة في أوساط الباحثين والنقاد والشعراء أيضا( بالتأكيد نحتاج هنا إلى جملة من المقاربات للمواقف والدراسات التي برزت في تلك الفترة والتي تدعم موقفنا هذا. لكننا نؤجل هذه المقاربة في مقالة أخرى. فقط نريد هنا رسم المعالم الأولى للإشكالية) الأمر الذي تحولت عند البعض إلى عقيدة إيديولوجية في فهم النص الحداثي الشعري بحيث أصبحت المواقف تعكس قناعة التطور الحتمي للشعر, وهو تطور قام على رافعتين الأولى كما قلنا في التصور المستقر عن التاريخ , والآخر متأثر بالمواقف والتجارب الشعرية التي واكبت تطور الحداثة الشعرية في الوطن العربي. ثالثا- بين حدي هذين الرافعتين بدأت تظهر ملامح نصوص شعرية بالخصوص في فترة السبعينيات والثمانينات كنصوص علي الدميني ومحمد جبر الحربي ومحمد الثبيتي والصيخان وحسن السبع وسعد الحميدين باعتبارها نصوص شعراء يمثلون ملمح القصيدة العربية التي تستجيب للتطورات التي طالت الشعر العربي الحداثي بشكل عام منذ انفتاحها من خلال الترجمة والدراسة على الشعر العالمي, وأهمها على الإطلاق اللغة الرمزية وتوظيف الأساطير والحكايات الشعبية, ومفهوم الشاعر النبي. واكب هذا الملمح نقاد منهم الأكاديمي ومنهم الناقد الصحفي ومنهم الشاعر أيضا. لكنها مواكبة لم تكن تخل من سجال ونزوع نحو تثبيت مشروعيتها والدفاع عن شعرائها بسبب المواجهة الشرسة من بعض رجال الدين الذين شككوا بفساد عقيدة هؤلاء لارتباطهم بمثل هذا الشعر. الأمر الذي فوت الفرصة لفهم مغزى تحولات القصيدة منذ تلك الفترة , ومغزى تأثير هذا النوع من الفهم للشعر(أي فهمه من خلال ارتباطه بالعودة للأساطير والتوظيف الرمزي) دون غيره من الأنواع التي شهدتها الساحة الشعرية العربية النشطة, على شعرائنا في تلك الفترة. بإزاء هذا الوضع الذي ذكرناه كان النص الشعري الأكثر حداثة ومغامرة يتسلل إلى المشهد الشعري المحلي عبر بوابة تجارب شعرية عربية كعباس بيضون وبسام حجار ووديع سعادة وشوقي أبو شقرا وبول شاؤول وعقل عويط وأمجد ناصر وغيرهم وهي تجارب لبنانية في معظمها وهذا له مغزاه بالنسبة للباحث المهتم وليس للشاعر. لكن الأثر الذي تركه هذا التسلل على جملة من الشعراء الذين كتبوا مثل هذا النص كان متباينا, ليس المقصود هنا التباين في مسألة التلقي , هذا الأمر هو من الطبيعي بمكان بحيث لا داعي للنقاش فيه, لكن المقصود بالدرجة الأولى هنا هو التباين الذي يمس فهمنا وتصورنا للشعر من العمق, مع لحاظ أن تجارب الشعراء اللبنانيين لم يكن هذا التباين في التصور يشكل سمة مفارقة ترتبط بوعيهم الشعري وإنتاجه مثلما هو الحال في تجارب كتاب قصيدة النثر الذين تماسوا مع هذه التجارب مثل تجارب علي العمري ويوسف المحيميد في تجاربه السردية الأولى وحمد الفقيه واحمد الملا وإبراهيم الحسين وأحمد كتوعة وعبدالله سفر ومحمد الحرز وغسان الخنيزي , ويمكن إحالة الأسباب إلى جملة من العوامل من أهمها المكونات الروحية والنفسية والبيئية والثقافية للشاعر نفسه وهي مكونات تعمل عملها رغم الدراسات التي تهتم بعامل التناص وأثره دون غيره من العوامل في تكوين أي تجربة شعرية في علاقتها مع التجارب الشعرية الأخرى. إن خفوت موجة الصراع بين الشعر الحداثي وخصومها وإسكاتها رسميا في نهاية الثمانينات ولدت الإحساس بالهامش لدى كتابها بالخصوص شعراء قصيدة النثر الذين حملوا الوعي الحاد بضرورة تطور القصيدة بالمواصفات التي وصلت إليها بالقطع في ذات الوقت مع مفهوم الشعر الذي التزم به زملاؤهم من الشعراء الذين واجهوا موجة الصراع تلك. وما كرس هذا الوعي وثبته هو اعتبار الهامش بالنسبة له جزءا من النظرة إلى الإبداع لا تنفك تغذيه من العمق وتدفعه إلى ارتياد المجهول والمغامرة , وقد رافق هذه النظرة ودعمها جملة من التداعيات التي أثرت اجتماعيا وثقافيا على البلاد في بداية التسعينات, من أهمها أسلمة الأدب والإبداع بالموازاة مع صعود التيارات الإسلامية المتطرفة, ناهيك بالطبع عن الاتجاه الثقافي في تبني مثل هذه الأسلمة. لذلك نجد بالمقابل أن الموقف الرافض لقصيدة النثر نابع من مصدرين : الأول كما قلنا من هذه التداعيات , والآخر من عامل موضوعي هو غياب الذائقة المرجعية التي تغذي المتلقي وإن كان الأول له أثر على الثاني, غير أن النقطة التي نريد التركيز عليها هنا هو في التساؤل التالي : كيف كان الرهان على شعراء الموجة اللاحقة من كتاب قصيدة النثر على خلفية الوضع الذي حللناه أعلاه؟ هنا نصل إلى إحدى طرفي الإجابة على سؤال المفارقة الذي صدرنا به المقالة.ولكن في مقالة أخرى.Mohmed_z@hotmail.com