محمد العلي

محمد العلي

في العصر الحاضر بقيت الحرية في (حضرة الغياب) واعتقد قصور هذا التعبير عن اصطياد المعنى .. لأنه لا احد اليوم لا يجد وخز غياب الحرية في خاصرته.. لأنه يراها خارج حدوده الاجتماعية.. ويسمع ألحانها من كل الجهات.. ولذا فالأصح ان نقول لا غياب الحرية، بل (تحريم الحرية) او (سلب الحرية) او إجهاضها.. وذلك بإفراغها من معانيها وتحويلها الى مجرد لفظة لغوية منفوخة بالهواء تماما مثل طبل الطقاقات.هذا هو العائق الشاهق الذي لم يكن يعانيه الانسان العربي في العصور القديمة.. لأن وعيه لم يصل الى ادراك ان هناك شيئا او مفهوما يسمى الحرية.. اما الآن فشقاء الوعي الفردي ـ على الاقل ـ انه يدرك وانه يرى بكل جوارحه المجتمعات التي ترفل بدمقس الحرية وحريرها.المرعب في هذا المجال أننا لم ندع الحرية وشأنها، بل حاولنا (اولا) ان نلصق بها تهمة (الغزو الفكري) هكذا أفردناها عن سائر المفاهيم السياسية والتربوية والاقتصادية والعلمية.. وجعلناها وحدها السفيرة للغزو الفكري.. اما حين فشلت هذه المحاولة اخذناها (ثانيا) وأفرغناها من مضمونها وحوّلناها الى شكل فأصبحت عندنا مثل الغراب الذي صبغناه وحوّلناه الى (غراب ابيض) كما يقول الشاعر احمد العلي.ثالثة الأثافي «ولا اعرف ما سر ولعي بهذا التعبير الذي أكل عليه الدهر وشرب ثم نام».الثالث هو انتظار نضج المجتمع من تلقاء نفسه حتى يصل الى مرحلة التأهل للسيدة الحرية.. وكأن المجتمع طفل ننتظر مرحلة بلوغه سن الرشد عندما نزفه عليها ونزفها اليه .. ولكن من يقرر هذه المرحلة بداية ونهاية ومن يعرف ان هذا الحجر نضج او لا ؟ ان الذي يقرر ذلك هو (الملأ).ما معنى هذا؟معناه ـ كما قيل ويقال ـ سلب الفرد الاجتماعي اهم جزء من وجوده الانساني وهو (الفطرة التي فطر عليها) بأن يكون حرا ولا يعترف إلا بإله واحد.. ومعناه الآخر ان رئيس القبيلة باقٍ وأنه هو وحده الذي يرى (كما تقول الاسطورة) وان الآخرين بمن فيهم (زرقاء اليمامة) عميان يضع في ايديهم العصي حتى لا يقعوا في حفر الوعي .. وهل يعني هذا شيئا غير اننا حتى الآن في عصر (الملأ) وان التاريخ قد توقف عن الجريان؟اما المعنى الثالث فهو اننا نحن على صواب وان العوالم الاخرى على خطأ ـ حسنا ـ ليكن ولكن هل الصواب هو سبب كل هزيمة ام هو الخطأ ؟ فلماذا اذن ـ اذا كنا على صواب ـ ننهزم في جميع الميادين وينتصر الذين هم على خطأ ؟قل لي بالله عليك ؟