حسن السبع

حسن السبع

السطور التالية امتداد لكتابة سابقة، حاولت من خلالها أن أقيس المسافة بين داخل المصحة العقلية وخارجها.. وقد استُهلّتْ بالعبارة القائلة: «أصحاب العقول في راحة»! وهي عبارة يمكن أن تُقرأ قراءتين مختلفتين إلى حد التناقض، إحداهما ترى أن العقل نعمة، وأنه سفينة نجاة، وأن تعطيله وراء كثير من المتاعب والويلات. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العقلاء في راحة. والقراءة الأخرى تفترض أن المقصود بأصحاب العقول هم المجانين وليس العقلاء، إذا أخذنا في الاعتبار ما يسمى في فقه اللغة العربية بـ (القلب) حيث يُسمَّى الأعمى بصيراً، والمصابُ بأنفلونزا الخنازير سليماً، وصاحبُ الإخفاقات المتتالية موفَّقاً.. وعليه فإن (أصحاب العقول) أي المجانين في راحة. يقال كذلك: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»، ويبدو أن هذه المقولة وغيرها قد أغرتْ الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري بتأليف كتاب (عقلاء المجانين)، تناول فيه طرائف أولئك المجانين العقلاء من الرجال والنساء.. ولم ينس أن يشير في كتابه إلى أسماء جنون الدواب، كجنون الإبل (الهيام) وجنون الشياه (الثول) وجنون الكلاب (الكَلَب).. يعرض الكتاب لحالات من الجنون تناولها فيما بعد بالتفصيل ميشيل فوكو في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي).. لكن أخطر المجانين هم أولئك الذين يدَّعون الحكمة وليس بينهم وبينها صلة تذكر.. ذلك أن المعتوه لا يعرف أنه معتوه.. وعلى النقيض منهم أولئك الذين يدَّعون الجنون ليقولوا ما لا يستطيع العقلاء الإفصاح عنه.. فهذا الأديب الساخر جورج برنارد شو يقول: «لكي يسمع الناس ما أقول، اضطررت أن أتكلم على نحو يجعل الناس يتصورون أنني مجنون يسمح له الناس بالحريات التي يتمتع بها مضحك البلاط»! وهذا شكل من أشكال التحامق الذي زخر به تراثنا الأدبي. غير أن أصحاب العقول من الفنانين والشعراء الذين أثروا الحياة الإنسانية بإبداعاتهم الفنية لم ينعموا بتلك الراحة التي وعدتهم بها العبارة.. فمصدر العذاب الحقيقي، كما يقال، هو الجنون العاقل.. لقد ذهبت بهم أحلامهم بعيدا إلى درجة تدعونا إلى الاعتقاد بصحة العبارة القائلة: ليس بين العبقرية والجنون سوى خيط رفيع.. وإذا كان الجنون ظلمة ووحشة ودمارا، فقد ساهم هؤلاء في انتشال العالم من وحشته وظلامه. أما أخطر المجانين على مر العصور فهم المصابون بجنون العظمة، ممن تقلدوا مناصب قيادية كبيرة، وامتلكوا امتيازات واسعة وسلطات مطلقة.. فهو جنون لا يندرج تحت مسمى (الجنون العاقل) الذي أشرت إليه آنفا. ومكمن الخطر والضرر في مثل هذه الحالة المرَضية، أن هذه الدرجة من الجنون لا تلاحظ من قبل المراقب العادي، لأنه جنون مموَّه يبدو المصاب به شخصا سويا لكنه أبعد ما يكون عن الواقع والمنطق والوضوح والفهم وهي صفات مرتبطة بالعقل .. وبسبب تلك العلاقة المختلة مع الواقع فإن المصاب لا يرى ولا يسمع إلا حقيقته الخاصة .. ولا يطرب إلا للمديح وللآراء التي تتناغم مع آرائه، وتنسجم مع رغباته .. كل من حوله أدوات تنفيذ، أو بيادق يحركها كيفما يشاء لتحقيق تلك الرغبات، والوصول إلى تلك الغايات. وهو وحيد لأنه لا يسمع صوتا آخر، ومنعزل ولو كان محاطا بالحشود والصور والهتافات واللافتات. وهو مولع بالمواكب والمظاهر البراقة والألقاب الرنانة. يعتقد المصاب بهذا الداء أنه قطب الرحى ومركز الكون، وأن الشمس لا تبزغ صباحا إلا لتتبارك بطلعته البهية، وأن الناس متيّمون بحبه، وأنه الوحيد القادر على الفعل، لما يمتلكه من قدرات وصفات خارقة متوهمة، وغالبا ما يسيء تقدير قدراته وطاقاته، ولهذا السبب فهو لا يحسن تقدير النتائج المترتبة على قراراته .. فإذا جاءت النتائج مدمرة بحث عن مشجب أو كبش فداء ليحمله مسؤولية تلك النتائج تمهيدا لتصفيته .. غير أن المصاب بداء العظمة لا ينتهي به المطاف إلى المستشفى .. ذلك أنها حالة لا يمكن علاجها سريريا .. ومع ذلك فإن كل الشواهد التاريخية تؤكد على أن المصابين بهذا الوهم غالبا ما ينتهي بهم المطاف نهاية تجمع بين الملهاة والمأساة (تراجيكوميديا). وبعد.. كم شخصية تاريخية شبيهة بهذا النموذج قد خطرت على بالك وأنت تقرأ هذه السطور؟ وفي أية خانة يمكن أن تضع من يتخذ تلك العينات المهووسة الممسوسة رموزا؟!hsn_saba@hotmail.com