حسن السبع
يقال والعهدة على إيسوب اليوناني، إن رجلا ذهب ليصطاد السمك في جدول ماء، وبعد أن طرح شبكته بمهارة، وصلت إلى الضفة الأخرى من الجدول، وضع حجرا على طرف الحبل، وراح يضرب الشبكة ضربا خفيفا حتى يثير السمكَ فيدخل في الشبكة.. وعندما رآه أحد الأهالي الذين يسكنون المنطقة أخذ يلومه على تعكير الماء الصافي الذي يشربون منه.. فرد عليه الصياد قائلا : لابد لماء الجدول أن يتعكر على هذا النحو وإلا متُّ جوعا. هل كانت هذه الحكاية بداية ميلاد العبارة القائلة بـ «الصيد في الماء العكر»؟ ربما، لكنه قد وجد، دائما، والتاريخ مليء بالشواهد، من لا يستطيع العيش في الأجواء الصافية المستقرة .. ووجد، دائما، من يراهن على الزوابع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ليحقق مكاسب خاصة. هكذا تتحول الصراعات ومآسي البشر وآلامهم إلى كنز للفوائد. إن أخشى ما يخشاه تجار السلاح، مثلا، هو أن يعمَّ السلام بقاعَ الأرض. وأخشى ما يخشاه رجل الميليشيا (وهو في الغالب شخص شبه أمي) هو أن تنتهي الحرب الأهلية أو الطائفية وتهدأ الأحوال. لأن قيمته الاجتماعية لا تتجاوز حجم الكلاشينكوف الذي يجوب به الطرقات مزهوا. ولو هدأت الأحوال، وساد الاستقرار، لفقد كثيرا من امتيازاته، وعاد، كما كان من قبل، رقما من الأرقام المهملة. وهذا هو ما يسمى بالصيد في الماء العكر. فإذا لم يكن الماء عكرا فسوف يوجد دائما من يعكره ليصطاد فيه، وهي مهمة اللاعبين الكبار الذين يحركون البيادق في كل زمان ومكان. يقال، كذلك، والعهدةُ على الحكيم الهندي، إن قردا قد أضناه البرد فحاول أن يدفئ نفسه بيراعة (واليراعة حشرة تضيء في الليل) فمرَّ به طائر حاول أن يبصّره بخطئه، فما كان من القرد إلا أن قتل الطائر.. والحكمة من هذه الخرافة الهندية أن العالِمَ أو المثقف الذي يتصدى لتنوير الناس، وإرشادهم إلى مواضع الخطأ في تفكيرهم غالبا ما يتعرض للأذى من الجهلة وضيقي الأفق. والتاريخ مليء بالشواهد على وجاهة هذا الاستنتاج.. وقد يتساءل من يصدمه ذلك التصرف الفظ قائلا : أما كان الأولى أن يواجه ذلك القرد الحجةَ بالحجة ؟ أو أن يتجاهل رأي الطائر بدلا من اللجوء إلى العنف ؟ لكن يبدو أن العنف كان، وما زال، وسيلة من تنقصه الحجة، ويخونه المنطق.. ولم يكن العنف اللغوي أو الجسدي يوما وسيلة إيضاح أو إقناع مناسبة. فماذا كان على الطائر أن يفعل ؟ هل يدع القرد لظلامه وزمهريره، ويحلّق في فضاءات حرة أخرى بعيدة عن عتمة الكهوف والضمائر والرؤوس.. هل كان عليه أن يتبع حكمة أبي العلاء المعري القائلة: «رأيتُ سكوتي متجرا فلَزِمْتُهُ / إذا لم يفِدْ ربحاً فلستُ بخاسرِ»؟ السكوت موقف سلبي، وهو ليس من ذهب كما يقال، ولكنه قد يصبح كذلك حين لا تكون لغة الحوار أو ظروفه أو مساحته متكافئة. يقول حكيم صيني: «لأننا نعيش مع الناس لا يسعنا الانفكاك عنهم، لكن العالم دائب التغير، والقادرون على مجاراة التغير دون معاناة هم المنزهون عن التحامل، الذين لا يحومون حول ذواتهم».مضى على هذا الكلام المتحضر المرن قرابة خمسة وعشرين قرنا، وما زال، حتى عصرنا هذا، قولا ثقيلا على الذوات التي تحوم حول نفسها، أو حول قناعتها بمعزل عن التفاعل مع الحضارة البشرية بكل ما فيها من تعدد .. الذوات التي لا تطيق مجاراة التغير .. الذوات التي تنادم الموتى، وتستشيرهم في كل صغيرة وكبيرة من أمور الأحياء، وتتمنى أن تظل الحياة بركة آسنة في عصر محكوم بالتحول، وبالبحث عما هو أفضل للارتقاء بالحياة البشرية.. ذوات تشبه الكوى المحكمة التي لا تتيح فرصة لتسلل الضوء والهواء. ماذا بقي من عبارة ذلك الحكيم الصيني لأعلق عليه ؟ بقيت مسألة التحامل، والتحامل مناقض للموضوعية، ومرادف للكراهية، وغالبا ما يؤدي إلى العنف، ونزعة العنف تعيدنا من جديد إلى الحكاية الهندية السابقة .. أي حكاية القرد الغبي الذي كان يدفئ نفسه باليراعة. واليراعة، كما تعلمون، حشرة تضيء، لكنها ليست مصدرا للدفء.. وعندما بصّره الطائر بخطئه أرداه قتيلا.. وقاكم الله شر العنف، والغباء والصيد في الماء العكر. hsn_saba@hotmail.com