محمد الحرز

محمد الحرز

تنوع مصادر المعرفة التي ترفد المجتمع هي من امتيازات المجتمعات الحديثة ذات التوجه الديمقراطي, التي هضمت مكتسبات الحداثة وقيمها, بحيث أصبحت جزءا لا يتجزأ من سماته العامة,وخصائصه الحياتية. بينما في المجتمعات ذات التوجه الشمولي التوليتاري في أنظمة الحكم تصبح الدولة هي المصدر الوحيد للمعرفة, وهي المتحكمة في منسوب تدفقه أو حجبه بما يتناسب والعقيدة الإيديولوجية للدولة نفسها. النموذج الأول اكتسح العالم بلا حدود ولا فواصل بفضل عولمة القيم الحداثية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والعلم والاتصال والصحة والبيئة وحتى في مجالات لها ارتباط وثيق بالتاريخ كالفن والدين, باستثناء ما يسمى بالعالم الثالث كما هو شائع, والعالم العربي معنيٌّ بهذا الاستثناء بالتأكيد. بينما النموذج الآخر سقط بسقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين في أوائل التسعينات من القرن المنصرم, ولم تعد الدولة لها القدرة المطلقة على الإمساك بخيوط انتشار المعرفة بين الناس أو بين المجتمعات.والسؤال الذي أود طرحه الآن هو: هل غياب الأنظمة الديمقراطية عن المجتمعات العربية أفضى إلى غياب تنوع مصادر المعرفة فيه؟ بمعنى آخر هل ثمة رابط بين غياب هذا وغياب ذاك؟ فإذا كانت سلطة الدولة وقوتها هي إحدى أهم آليات هذا الغياب من جهة , وهي المعيار عند أغلب الباحثين والمفكرين في تصنيفهم لانتمائها لهذا النموذج أو ذاك من جهة أخرى. فإن مقولة الاستبداد المرتبطة بالدولة في المجتمعات العربية بدأت تتفكك من الداخل, على الأقل على مستوى عامل واحد هو مستوى حركة تنوع المصادر المعرفية. قد يبدو من البداهة الحديث عن الاستبداد كمقولة نُظر إليها منذ عصر النهضة كإحدى أهم عوائق التحديث في الوطن العربي. لكن ما يعنيني من هذه المقولة هو أن مفهوم الاستبداد قد طرأت عليه تحولات ينبغي أخذها بعين الاعتبار حين نحاول الحديث عن المجتمعات العربية في علاقتها بالحداثة. من أهم مظاهرها تقلص سلطة الدولة في مجال تقنية الاتصالات, وهو مجال حيوي دخل استثماره وتوظيفه في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والمؤسساتية والمعرفية, بحيث بدأ يغذي نفسه بنفسه كما يشير إلى ذلك هيدجر. هذا التحول الجذري عدّل من رؤيتنا إلى مفهوم الاستبداد باعتباره وثيق الصلة بهيمنة الدولة وبطشها, وأصبح مدلوله الذي يشير إليه من قبيل : القهر والهيمنة المطلقة والظلم وغياب العدالة يأخذ منحى آخر, ويضيف إليه أبعادا ومعاني جديدة لم يفكر فيها من قبل, أبرزها الاستبداد الذي يمارس ضد البيئة والطبيعة والأجيال القادمة..الخ من المعاني الذي ارتبطت بانتشار قيم الحداثة وتجلياتها في الفضاء الاجتماعي. لقد انزاحت الدولة من قلب هذا المفهوم, ولم يعد في التصور الغربي ما يدل دلالة قاطعة على علاقته بالدولة. بينما ما زالت هناك تصورات في الذهنية العربية تنظر إلى هذا المفهوم انطلاقا من ارتباط المفهوم بالدولة فقط , أي اختزال مفهوم الاستبداد في الدولة (ينبغي أن نشير هنا لرفع الالتباس أن مفهوم السلطة يختلف عن مفهوم الاستبداد, لا يلتقيان إلا في بعض الجوانب , ليس هنا محل ذكرها, إلا إذا فرض علينا الموضوع ذلك) بحجة غياب الديمقراطية والحرية ومظاهر التخلف والتبعية السياسية والاقتصادية والجهل ..الخ من المقولات, وبحجة أيضا أن الأزمات والمآزق التي خلفتها قيم الحداثة هي تخص المجتمعات الغربية ولا تمس المجتمعات العربية لأنها حسب هؤلاء لم تهضم قيم الحداثة من العمق . رغم صحة هذا الطرح ووجاهته من جانب , إلا أن ما يغيب عن ذهنية هؤلاء هو أن المجتمعات العربية لم تعد تخضع , ولا يمكنها ذلك , للتصور المعياري الذي يقارنها بين النموذجين اللذين صدرنا بهما الحديث, فإما أن تكون مجتمعات حداثية بالمفهوم والتصور الغربي, أو مجتمعات متخلفة ومتسلطة بالمفهوم الغربي أيضا. وما عدا ذلك لا يمكن البحث عن مقارنة أخرى, بحيث يؤدي في غالب الأحيان إلى تطرف في النظر إلى التاريخ والواقع . هذا التصور هو أحادي النظرة وذو نزعة مركزية غربية. وعليه إذن كيف يمكن الحديث عن المجتمع العربي في علاقته بمكتسبات الحداثة؟ وكيف يمكن طرح المسألة خارج نطاق التصور السابق؟ هنا يمكن إعادة مسألة تنوع المصادر المعرفية واستثمارها إلى الواجهة في التحليل باعتبارها إحدى أهم المظاهر الاجتماعية والثقافية التي تولدت نتيجة ارتباطها الوثيق بتطور تكنولوجيا الاتصالات عالميا وبسرعة فائقة. ومن خلالها أيضا يمكن تلمس المفارقة بين سلطة الدولة عبر مؤسساتها وقوانينها وبيروقراطيتها , وبين سلطة الموروث عبر حضورها الطاغي في تقنية الاتصالات. الأولى في حالة بؤس لعدم قدرتها على استيعاب سلطة التقنية وبالتالي سلطة الموروث حيث يتم ترويضه وأدلجته من طرف مؤسسات الدولة , وينبغي أن نعترف أن أغلب الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالعالم العربي هي إحدى تجليات هذه المفارقة. أما الأخرى فهي سلطة تعنى في علاقتها بالتقنية مجرد هوية تاريخية يتم استحضارها واستنفار قيمها ضد هوية تاريخية أخرى سواء داخل المجتمع الواحد أو بين العديد من المجتمعات العربية. وأكبر دليل على ما نقول هناك الكثير من القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية عددها يطابق عدد الطوائف والإثنيات والأعراق والقوميات في شتى بقاع العالم, بل العدد مرشح للزيادة لسهولة الاقتناء ورغبة الإنسان في الاستهلاك. ما الذي يمكن أن نستنتج من هذه المفارقة؟ أولا - معيار النظر إلى قيم الحداثة ينبغي النظر إليها من داخل المجتمعات العربية وليس من خارجها. أي في حالة تطبيقها كما رأينا ذلك في ظاهرة توظيف الفضائيات في إبراز الهوية. بغض النظر هنا عن الموقف السلبي أو الإيجابي من مسألة التوظيف.ثانيا - الاحتماء بالموروث وإبرازه كهوية هو إحدى أهم الاستجابات لقيم الحداثة وتحدياتها. إذ هل يمكن اعتبار هذه الاستجابة مجرد رد فعل كما يروج له في الأدبيات الفكرية والأدبية أم هي فعلا تعكس اشتباكنا بقيم الحداثة من العمق منتظرين فقط مرحلة الهضم التي تقصر أو تطول حسب سمة التحولات ووتيرة إيقاعها التي تطال كل شيء في اللحظة الراهنة ؟ربما هذه الوجهة هي التي يمكن أخذ التحليل إلى دروبها لأن ترديد الثنائيات حداثي أو غير حداثي هي من المقولات التي تجاوزها الوعي التاريخي. لقد ذهبت مع حقبة سقوط النموذجين اللذين صدرنا بهما الحديث.Mohmed_z@hotmail.com