حسن السبع

حسن السبع

لا صلة لهذا العنوان بالمبدأ الاقتصادي المعروف «دعه يعمل.. دعه يمر». الكلام هنا عن عوائق الإبداع بشكل عام، إذ لا يجتمع الإبداع والانغلاق أو التزمت في مكان واحد. فالأخيران مضادان للتقدم، لأنهما حالة من الجمود أو السير بشكل دائري ينتهي، دائما، من حيث يبدأ. الحرية شرط من شروط الإبداع، ليس في مجال الأدب والفن فقط، بل في كل مجال من مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما أن الحديث عن الحرية ليس حديثا عن الفوضى التي تعتدي على حريات الآخرين، بل عن الحرية المسؤولة الخلاقة المنتجة. ومع أن الأمر لا يتعلق بالإبداع الأدبي والفني إلا أننا نستطيع أن نستنبط مثالا من الأدب لتقريب هذا المعنى، ولقراءة تلك العلاقة التكاملية بين الحرية والإبداع. كان الهدف من نشأة القصيدة الحرة هو التخفف من بعض قيود الوزن والقافية التي قد تعرقل التدفق الشعري، وتحد من انطلاقة الخيال، وتعيق الإبداع، بل إن الجوازات أو الضرورات الشعرية في القصيدة التقليدية ليست سوى محاولة للتحرر من ثقل بعض الأغلال التي تعيق تحقيق ذلك الهدف، لذلك قيل : «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره» فأباحوا له صرف ما لا ينصرف، وقصر الممدود، ومد المقصور، وتخفيف المشدد، وتثقيل المخفف، وإلى آخر تلك الامتيازات الممنوحة للسادة الشعراء. مع ذلك فإن تلك الحرية ليست مطلقة، بل هي حرية مسؤولة وواعية ومنضبطة كي لا تتحول إلى فوضى لغوية، وكذلك هي الحال مع بقية الحريات الأخرى المطلوبة لتحقيق أي شكل من أشكال التطور المبدع. تناقلت وسائل الإعلام، يوما ما، خبرا عن بائع كباب تركي مقيم في باريس اسمه (ليل ماز). كان ليل يقدم لزبائنه السلطة والبصل والطماطم على أنغام الراب .. أو كما يقول الخبر : «كان يردد : سلطة وبصل وطماطم على أنغام تشبه موسيقى الراب». وما أن علمت به إحدى شركات الإنتاج الفني حتى تبنته ليصبح نجما غنائيا. وهذا خبر لا يثير الدهشة في مجتمع يعمل بمبدأ : «دعه يعمل .. دعه يمر». والمقولة فرنسية على أية حال. مع ذلك، فإن الحديث ـ وكما قلت ـ ليس عن الحرية الاقتصادية التي تشير إليها هذه العبارة، بل عن حرية الإبداع في كل مجال يساهم في رقي الحياة البشرية. لكن، دعونا نفترض أنه يوجد في جوار هذا المطعم، أو في جوار الجوار، من يجد عمل ذلك (الكبابجي) التركي مستهجنا، أو من يرى أنه لا يجوز الجمع بين موسيقى الراب وصحون الكباب، لأسباب ودوافع خاصة بأصحابها وحدهم. فكما أنه ـ وكما يقال ـ لا يوجد شيء في هذا العالم ليس له هاوٍ واحد على الأقل، لا يوجد، كذلك، في هذا العالم شيء لا يوجد له معارض واحد على الأقل. كل ما يستطيعه المعترضون على هذه الزيجة بين الراب والكباب، في مثل هذا المناخ الثقافي، هو مقاطعة المطعم، ولا شيء غير ذلك. والمقاطعة حق لا يناطحهم فيه أحد. فهذه حرية يضمنها القانون، ما لم يصاحبها عنف لغوي أو جسدي، أو أي شكل من أشكال التخريب. ذلك أنه في وجود القانون لا مكان للوصاية ولا للاجتهادات الخاصة التي قد تقلص هامش الحرية، فيتقلص بالتالي هامش الحياة.وكما أن هناك بيئات جاذبة أو حاضنة للإبداع، يوجد في المقابل بيئات طاردة له. وقد تهيأت للوثبات العملاقة التي أوصلت الحداثة إلى ذروتها بيئات اجتماعية وثقافية أكثر انفتاحا ومرونة، فازدهرت فيها العلوم والآداب والفنون، وتطورت تبعا لذلك طرق التفكير وأساليب العيش. ويبدو واضحا أن المجتمعات التي امتلكت بوصلة التطور المبدع قد أدركت، منذ زمن طويل، أن في التصلب والجمود وكثرة الأوامر والنواهي إعاقة لأي حراك اجتماعي أو ثقافي، وأنه لكي يصبح المرء فاعلا وواعيا ومالكا لإرادته، لابد له من بيئة لها خاصية الانفتاح على التنوع المدهش للأفكار والتجارب والابتكارات والمؤثرات الأخرى التي تنتجها الحياة العصرية. وبعد : فإن الإبداع خط صاعد إلى الأعلى، وهكذا كان دائما عبر العصور . الإبداع لا يدور حول نفسه، كما أنه زمن لا يتكرر، وصيغ لا تتشابه، وهناك دائما علاقة تكاملية بين الانفتاح والتحول، وبين الانغلاق والثبات.hsn_saba@hotmail.com