محمد الحرز
في الشأن الثقافي هناك مفهومان لمعنى الحضور المتصل بالكاتب المثقف أو المفكر أو المبدع , الأول منهما هو الحضور الكتابي والآخر هو الحضور الجسدي , ورغم الوظائف المتداخلة فيما بينهما إلا أن تواصل المتلقي مع الاثنين يختلف وطبيعة كل واحد منهما , فالتواصل مع الكاتب من خلال مؤلفه أو كتابه يقع تحت وطأة جملة من التقاليد الثقافية من أهمها التقاليد التي تختص بعملية القراءة ذاتها من جهة , وبالقارئ من جهة أخرى , حيث من المعلوم تماما أن نظرية المعرفة الحديثة ركزت على هذه التقاليد وأنتجت من خلالها العديد من المقولات والنظريات الجمالية والفلسفية والأدبية , وذلك في شتى الحقول والمعارف الإنسانية. وهذا النوع من الحضور له دلالة كبرى في الثقافة المعاصرة لأن ثقافة الانترنت هي إحدى أكبر تجلياته وإن بطريقة غير مباشرة. فالنص الإلكتروني هو نص خاضع لنفس شروط قراءة الكتاب المادي لكن مع فارق يتصل بإمكانية غياب المؤلف أو تلاشيه في النص الإلكتروني, وسلطة حضوره في النص المادي.لذلك هذا النوع من الحضور للمثقف ألقى من الثقافة الشروط التي ترتبط بصناعة النجم الثقافي والإبداعي, ويجب أن نستتبع هذا القول لنؤكد أن ما نقصده بصناعة النجم هو المفهوم المرتبط بالثقافة التقليدية وليس بالثقافة الحديثة المرتبطة بثقافة الانترنت, هذا مجال آخر لا نشير إليه هنا. لقد اختفت من الثقافة ظواهر عديدة كالمفكر الأوحد أو الشاعر الأمير أو المتربع على قمة الشعر...ألخ. حيث أصبح القارئ هو المتسيد الساحة وهو المؤثر في إنتاج الثقافة من العمق.بينما النوع الآخر من الحضور وهو الحضور الجسدي له شروطه وعوامله وسياقاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية , هذه الشروط بالتأكيد لها أهميتها الكبرى بسبب ارتباطها بحياة الإنسان ( أي الكاتب) نفسه دون تمايز بين هذا العامل أو ذاك, وليس الحضور الجسدي للمثقف سواء من خلال محاضرة أو ندوة أو حوار في مهرجان ثقافي سوى محصلة التقاء هذه العوامل جميعا.بل يمكن الإشارة إلى أن هذا الحضور هو نوع من الرهان على الثقافة ليس بالاعتبار الذي يمكن أن نظنه جميعا: الحوار والنقاش الفكري والانفتاح على الأسئلة التي تحرك المياه الراكدة في عقولنا. هذا الاعتبار مطلوب من جهة , وهو بديهي من جهة أخرى.بل هو نتيجة طبيعية لمثل هذه اللقاءات. لكن ما نقصده بالرهان على الثقافة يتمثل بالدرجة الأولى في محاولة تأسيس ذاكرة ثقافية ترتكز على حضور بعض المثقفين المؤثرين في المشهد الفكري المحلي والعربي.وما نعنيه بتأسيس ذاكرة ثقافية هو تحويل مثل هذا الحضور إلى حدث ثقافي يثبت في ذاكرة الناس كإحدى المرجعيات الثقافية والفكرية التي يمكن ان تفضي بالنهاية إلى إزاحة الكثير من المرجعيات الثقافية الأخرى, كي تحل محلها في الذاكرة ,أو لنقل على الأقل تتصارع معها في حراك ثقافي يثري الذاكرة نفسها بالتأكيد. خصوصا أن الفضاء الثقافي في مشهدنا المحلي لم يحظ بفرصة كي يؤثث ذاكرته الثقافية الخاصة بناء على معطيات الثقافة الحديثة التي ربما أغلب المدن الكبيرة في الوطن العربي قد أخذت نصيبا كبيرا منها , وذلك من خلال المناسبات والمهرجانات واللقاءات الفكرية والثقافية التي تقام هناك سواء برعاية رسمية أو أهلية. جميعها كانت تشكل سياقا تراكميا يعزز من ذاكرة المدينة ثقافيا وفكريا. لذلك عندما تتاح فرصة كهذا النوع من الحضور الجسدي للمثقف لا يمكن إلا التشبث بها لأنها تجعل من الحدث ظاهرة تثار حولها الأسئلة والاستفسارات وحتى الاعتراضات وهو ما يكون في النهاية لصالح الفضاء الثقافي نفسه.قد تكون الاعتراضات هي من الأمور الطبيعية التي يمكن النظر إليها باعتبارها نتاج الاختلاف الفكري والتنوع الثقافي شريطة أن تستثمر بالشكل الذي يفضي فيه هذا الاختلاف إلى نوع من تعزيز القيم الثقافية الموروثة واختبارها على محك الحوار والمساءلة, وما يدعو إلى التفاؤل في نجاح مثل هذا التوجه هو الوضع الثقافي القائم في هذه المنطقة. وهو وضع يشي بالكثير من السمات الثقافية التي تحمل في داخلها بذور نجاحها في التطور والنمو نحو آفاق أكثر رحابة في الوعي الفكري.ومن أهم هذه السمات كما تبدو لي الرغبة عند الكثير من فئات المجتمع في الانفتاح على الأفكار والثقافات المتنوعة,ومحاولة الاقتراب منها , وحتى مجادلتها ومساءلة رموزها , وهذا يعني فيما يعنيه عدم الخوف منها على عقولنا وأفكارنا وعاداتنا وتقاليدنا, وهذا ما كان يتخوف منه البعض ويرفعه كشعار يعارض به الحضور الجسدي للمثقف الإشكالي في فضائنا الثقافي.والغريب أن مثل هذا الخوف يمكن أن يصح في فضاء ثقافي مختلف فما نردده من العمق التاريخي والاجتماعي لشخصيتنا الثقافية , حيث هذا التصور الذي ينزل منزلة المسلمات في ضمائرنا وعقولنا ينبغي أن يحصننا من الخوف من هكذا انفتاح . ويحصننا أيضا من ردود الأفعال التي تعكس هشاشة البنية الثقافية التي تستقبلها.رغم ذلك أرى أن هناك سمات متميزة في ساحتنا الاجتماعية قد يراهن عليها في إيجاد نسيج ثقافي يضم في طياته جميع فئات المجتمع بتنوع مشاربه الفكرية والقبلية والطائفية , وهو أمر يستحق الرهان عليه طالما كانت الثقافة هي الأمل الذي يمكن من خلاله تحقيق مثل هذا الرهان .إن هذا النسيج لن يكتمل في يوم وليلة, هو يحتاج إلى الكثير من العمل , والكثير من الاستراتيجيات والتخطيط.الأمر الذي يعزز من أمكانية خلق فضاء مديني ينسجم وما نراه من توجه يعيد صياغة المدينة من العمق.وهو كذلك يحتاج إلى الاقتناع العميق بأهمية الوظيفة الثقافية لتعزيز مثل هذه الإمكانيات , لا سيما عند الطبقات المؤثرة في فئات المجتمع المختلفة.بقي أن نقول: إن التراكم التاريخي الذي جعل فضاءنا الثقافي منغلقا على نفسه فترة ليست بالقصيرة من الزمن , هو الحافز الأكبر على الانفتاح , وليس هذا فحسب بل أن روح تقبل الآخر هو إحدى أهم السمات التي تراكمت عبر هذا التاريخ, وهو ما يحفز بالتالي إلى المضي قدما في الرهان على الثقافة كمشروع وظيفته التعايش الاجتماعي , وغاياته يتوجه إلى المستقبل بكل ما تحمله الكلمة من معنى.وبين هذا وذاك تتحقق ما يمكن أن نسميه بالذاكرة الثقافية التي تغرف من مياهها أجيال وأجيال كي تبني ثقافتها من جديد.Mohmed_z@hotmail.com