حسن السبع
مرَّ جحا بمجموعة من الصبيان فأخبرهم عن وليمة وهمية في مكان ما من البلدة، وحين جرى الصبيان لينالوا نصيبهم من الوليمة، لحق بهم محدّثا نفسه: «وما يدريك أنه لا توجد وليمة حقا»! والطرائف التي تلصق بجحا متناقضة، فهو حكيم حينا، وأحمق أو مغفل حينا آخر.. وها هو في هذه النكتة يكذب الكذبة ويصدّقها، فلا يجني من ورائها إلا لهاثه وهو يركض مع الراكضين. أما مروجو الشائعات السياسية والعسكرية والاقتصادية فأذكى من ذلك، لأنهم يستثمرونها في أهداف واضحة محددة .. يسوّقون الشائعة ليحققوا مكاسب خاصة في أوقات الحرب والسلم على السواء.«لا تكون الشائعات عن الفضائل» هذا ما يقوله برتراند راسل .. وهو قول فيه كثير من الصحة، وعليه بعض التحفظات. ذلك أن من الشائعات ما يتحدث عن فضائل وهمية لدى الأشخاص موضوع الشائعة. فهي أحيانا شهادة حسن سيرة مزيفة يعطيها من لا يملك حق التقييم لمن لا يستحق التمجيد والتعظيم. يعرف بعضهم الشائعة بأنها خبر كاذب ينم عن تفكير رغبي، وربما عن موقف ما من بعض الأشخاص أو الجماعات، وهذا صحيح في الغالب. لكن أحد الحكماء يقول «ليست كل الشائعات كاذبة» ومع أن المشاهير هم أكثر من تنسج حولهم الشائعات إلا أن (كارليل) يرى أن بعض الشائعات تجلب الشهرة للمغمورين. يبحث بعضهم عن شيء يملأ به فراغ حياته، فإذا لم يجد اخترع قصة لا علاقة لها بالواقع. وهكذا تستعير الشائعة جناحي جرادة، لتطير من مكان إلى آخر، (اخترتُ الجرادة كونها حشرة ضارة). ومن النصائح التي قد تسمعها أحيانا نصيحة تقول: «سد أفواههم» ومعنى ذلك أنه لكي لا يلوك الناس سيرتك، عليك أن تتصرف بالطريقة التي تعجبهم؛ أي أن عليك أن تخسر نفسك لتكسب العالم. وسد الأفواه للمعنيين بسدها أمر متعذر ولو حرصنا.. فلكي تسد تلك الأفواه عليك أن تتنازل عن قيمك وثقافتك وقناعاتك. وسوف تنتهي حريتك عندما يبدأ المشروع الرامي إلى إرضاء الآخرين. والحرية المسؤولة هي أجمل هبة في هذه الحياة. حرية التفكير وحرية الاختيار، وحرية الإرادة. فلماذا نتنازل عن هذا كله «لنسد الأفواه»؟.. ذلك رهاب اجتماعي خانق يقلق كثيرا من الناس. وقد يقضي المعنيون برضا الناس حياتهم في سجن كبير. ولنا في قصة جحا وابنه وحماره عبرة. فرضا الناس غاية لا تدرك. بعض الشائعات ينقصها المنطق، لكنها تثبت في عقول البسطاء وكسالى الدماغ، وكأنها حقائق مطلقة. لا أحد منهم يتحقق من صدقها: كيف نشأت، ومن أين أتت، ومن الذي وظفها، وما أهدافه، فبعض العقول أوعية للاستقبال والامتثال، إنها كاللدائن الطرية التي يمكن تشكيلها بسهولة. وهي الغالبية العظمى التي تصوت بـ 99.99 % في استفتاءات بعض الفضائيات العربية، وشبيه بها تلك التي تنادت لشراء ماكينات الخياطة ماركة (سنجر) بحثا عن الزئبق الأحمر. تجد الشائعة تربتها الخصبة في مثل هذه الأوساط، ويساعد في انتشارها التعتيم وغياب الشفافية. ولإدراك الخليفة المنصور بسطوة الشائعة وقدرتها في التأثير على عقول العامة قال بيته المشهور: «قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذبا/ فما اعتذارك عن شيء إذا قيلا». بل إن الاعتذار عن الشائعة أو نفيها قد يعيد بعثها في ذاكرة الناس من جديد، فلدى الناس ميل إلى نفي النفي. العبرة إذن في ما لصق في ذاكرة الناس، وليس في الاعتذار، خصوصا حين يكون الاعتذار أو المصالحة بعيدا عن الحشد، أي غير معلن. وفي ذلك يقال: «تفضحني في زفة وتصالحني في جلسة»! يقال: «الشائعة تقترب، والصدى يعيد ترديدها. ولا أغبى من صدى»! ويوصف الصدى بالغباء لأنه يردد الصوت بشكل ببغائي أبله، لكن الببغاء طائر ثاقب الفهم. وهي كما يقول عنها أبو الفرج .. الببغاء «تحكي الذي تسمعه بلا كَذِبْ/ من غيرِ تحريفٍ لجدٍّ أو لَعِبْ». أما حين يحاكي الإنسانُ الببغاء فهذا هو الغباء. ولا أغبى من أن يكون صوت الفرد صدى لما يقوله الآخرون. فهو، والحال هذه، أشبه بوعاء فارغ يستقبل ما يملأ به دون مناقشة. إنه شكل من أشكال الامتثال أو الإذعان الذي يشل العقل ويعطل الإرادة.MAM1425@YAHOO.COM