د. محمد حامد الغامدي
■المجالس مؤتمرات لا تتوقف.. لا تنتهي أعمالها.. مستمر دورها في المجتمع وشوارعه وطرقاته.. تصرفات الناس في الشوارع توحي بذلك.. أصبح الشارع مثالا حيا لجميع الأوضاع العربية.. حراك الشارع صورة حقيقية لوضع الأمم.. من خلال الشارع، تستطيع إصدار الأحكام حتى على المستقبل.. ■أصبحت المجالس، مع حزم أخرى، أداة لضياع الوقت العربي.. أصبحت أداة لإهدار الإنسان العربي.. لا تسأل: كيف؟!.. انظر لنفسك... انظر حولك.. ■أين الحوار الهادف؟!.. أين الأفكار الخلاقة؟!.. أين الإبداع؟!.. الأشياء المحبطة لا نهاية لها.. هل ذلك بسبب فعل منشطات (شلّة) المجالس التي تحتكر حتى الحكمة والإبداع، حتى في الشوارع العربية؟!..■المجالس ظاهرة تعج بكم هائل من الأطروحات والقضايا والآراء.. ثم ينفض المجلس دون نتيجة، أو منفعة، باستثناء مجالس (الشلّة).. حيث تبني نفسها وتهدم غيرها..■هل أصبح البحث عن مجلس (شلّة) من ضروريات الحياة؟!.. الجواب عند العرب لا يخرج عن: يمكن، ويمكن لا.. عليك أن تنام على الجنب الذي ترتاح له وأنت تتألم.. هل بدأت المجالس تؤسس بين العربان ثقافة [امسك لي واقطع لك]؟!.. ■هذه الثقافة لم تعد عملا منكرا أو مستنكرا.. تزداد الطموحات اتساعا بعلو شأن (الشلّة).. المصيبة اكبر، عندما يصبح المجتمع (شلّة) فقيرة، و(شلّة) صغرى غنية.. هكذا حتى مع السيارات في الشوارع.. ترى النخب المترف النادر، وترى النقيض، لكنه أكثرية.. ■المجلس له ضحايا.. يطلقون عليهم في بلاد غامد وزهران: (هُبلان)، جمع (هبل)، أي (رخمه) بعكس (سبع).. تعريفات تحتاج إلى شرح من مجلس الأمن.. أو اخذ الإذن قبل الولوج في الشرح.. مصطلحات ضد الإنسانية وضد حقوق الإنسان.. بعد الاستئذان، (هبل) لفظ يطلق على من يأخذ ظاهر القول.. هكذا جعلت المجالس العربية الرجل الصادق الطيب عملة رديئة.. ■نسمع عن المجلس أكثر، مع تصميم خارطة البيت.. نسمع عنه ونراه في كل بيت.. هناك مجالس كبيرة وأخرى صغيرة، مثل السيارات، وخاصة سيارات النقل الشعبية.. بعض المجالس لها مجالس سرية، يطلقون عليها المختصر.. لزيادة الراحة والبعد عن الضجيج.. أشبه بسيارات النخبة.. أو اجتماعات النخبة العالمية التي تتحكم في الأكثرية.. ■رواد المجلس (المتنفذين) قادرين على إفراغ ما في العقل بدقة واضحة، وأيضا تمريره.. كنتيجة أصبح المجلس معزولا عن البيت، رغم انه جزء من البيت..■يمكن أن يكون المجلس في البرية.. يمكن أن يكون على زورق صغير.. يعبر بحرا كبيرا.. تعتليه سماء صافية.. يتلاطم في فراغها.. نعيق غراب مهاجر.. ■يمكن أن يكون المجلس على ناصية شارع.. مجلس كبار السن.. تقدم بهم العمر.. أصبحوا كومة من بقايا اللحم والعظم.. جلوسهم في ناصية شارع، بمثابة إعلان زوال الخطر.. أصبحوا فرجة للناس.. وهذه الحالة، يمكن أن تكون لكل فرد في المستقبل، نصيب في ناصية الشارع.. عرض مجاني للعبرة، وبدون تصريح من أية جهة.. وبدون (الإثارة الفجة) لأعالي زعامات البلديات.. في وضع لا يختلف عن وضع السيارات المهشمة في الشوارع العربية..■للمجلس عناصر لا تختلف عن عناصر الحياة المهمة.. أهمها وجود ثلاثة أفراد.. الأخطر أن يكون رابعهم الشيطان.. يتوسع المجلس بعدد غير محدد.. المهم أن يكون هناك حديث، وبعض الأدوات، لزيادة دفق الكلام في فراغ المكان.. ■حتى الشوارع تخلت عن عناصرها القديمة.. انقرضت حتى بهائم الشوارع.. أصبحت مجالس للسيارات بجميع أنواعها وأصنافها وألوانها.. وترى بعض السائقين أشبه بالشياطين..■هناك أحاديث لا تنتهي في جميع المجالات.. تتعجب عندما يصيح أحدهم: قصروا الصوت.. حتى الحيطان لها أذن.. يتعكر صفو الحديث والجلسة، عندما يسود الاعتقاد أن أحد الجالسين (دبوس) خطير مزروع في المجلس.. ■في الشارع العربي، مصطلح (دبوس) يعني رجل المباحث.. يتنادون قائلين: انتبهوا.. ثمنوا كلامكم.. كأن لهم شأناً أو هكذا يتخيلون.. رعب عربي تتوارثه الأجيال من أيام المغول.. رعب جعل الإنسان العربي يشك في نفسه، وفي ولائه، وفي انتمائه، لمجرد أن يتحدث عن (كضية) كما يقول الإخوة الناجون من أهل فلسطين. mgh7m@yahoo.com