ليست كلّ الملامح التي نحملها من صنعنا، وليست كلّ القناعات التي ندافع عنها وُلدت في أعماقنا. فبينما نظنّ أننا نبني شخصياتنا باختياراتنا، قد تتسلّل إلينا، بهدوء، طرائق الآخرين في التفكير، وتعريفاتهم للقوة والضعف، ومقاييسهم للنجاح والقبول. ثم نمضي بها طويلًا، حتى ننسى أنها جاءت من خارجنا، ونمنحها امتيازًا لم نخضعه يومًا للمراجعة..!!
هكذا قد يستعير الإنسان ملامحه دون أن يستعير وجهًا؛ يأخذ من أحدهم نبرةً، ومن آخر موقفًا، ومن ثالثٍ ميزانًا يزن به نفسه، ثم يجمع هذه الأجزاء في صورةٍ يظنّها هويته المكتملة. لكنّ الاستعارة الأعمق لا تقع على ما نفعله فحسب، بل على الطريقة التي نفهم بها ما نفعله، وعلى المعايير التي نقرّر من خلالها إن كنّا جيدين بما يكفي، أو ناجحين بما يكفي، أو جديرين بالقبول..!!
فقد لا يستعير الإنسان صفةً من الآخرين بقدر ما يستعير منهم الطريقة التي يحكم بها على نفسه. قد يتعلّم من محيطه أن الصمت دليل اتزان، وأن إظهار المشاعر ضعف، وأن الاعتذار انتقاص، وأن الحزم لا يكتمل إلا بالقسوة. وقد يسمع طويلًا أن النجاح مرهون بإعجاب الآخرين، حتى يصبح رضاهم مقياسًا لقيمته، لا مجرّد شعورٍ يفرح به. ومع تكرار هذه الرسائل، لا تبقى أفكارًا عابرة؛ بل تتحوّل إلى موازين خفيّة تتدخّل في اختياراته، وتعيد تشكيل نظرته إلى ذاته..!!
والمفارقة أنّ الإنسان قد يظنّ أنه يراجع نفسه، بينما هو في الحقيقة يراجعها وفق معيارٍ لم يختره. قد يلوم نفسه على طيبةٍ لم تؤذِ أحدًا، أو يخجل من حساسيّةٍ تمنحه قدرةً على فهم الآخرين، أو يصف حاجته إلى الراحة بالتقصير؛ لا لأنّ تجربته أثبتت أنّ هذه الصفات عيوب، بل لأنّه تعلّم النظر إليها من زاويةٍ واحدة، ثم نسي أنّ للزوايا حدودًا، وأنّ ما يُعدّ ضعفًا في موقف قد يكون حكمةً في موقف آخر..!!
وهنا يتجاوز أثر الآخرين حدود التقليد الظاهر؛ فنحن لا نكتسب منهم السلوك فحسب، بل قد نكتسب أيضًا اللغة التي نفسّر بها أنفسنا. فإذا وصف أحدهم التردّد بالجبن، أو الاختلاف بالعقوق، أو الهدوء بالبرود، فقد نبدأ في استخدام هذه الأوصاف للحكم على ذواتنا، حتى حين تكون الصورة أكثر تعقيدًا مما تسمح به الكلمات. وهكذا لا تتغيّر ملامحنا وحدها؛ بل تتغيّر الأسماء التي نمنحها لما فينا..!!
إنّ الخطر ليس في أن تتأثّر شخصياتنا بمن حولنا، بل في أن يتحوّل التأثّر إلى سلطةٍ صامتة، تحدّد لنا ما ينبغي أن نكون عليه، ثم تقنعنا بأنّ مخالفتها نقصٌ فينا. عندها قد نقضي سنواتٍ في تحسين صورتنا، دون أن نراجع الفكرة التي رسمت لنا تلك الصورة منذ البداية..!!
ولعلّ أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس أن يسأل نفسه إن كان يشبه الآخرين، بل أن يتأمّل المعايير التي يستخدمها ليحكم على هذا الشبه: هل يختار صفاته عن قناعة، أم يختارها خوفًا من الرفض؟ هل يرفض جانبًا من ذاته لأنه اكتشف ضرره، أم لأنه لم يتعلّم رؤيته إلا بوصفه عيبًا؟ وهل يسعى إلى النضج فعلًا، أم إلى إتقان الدور الذي يضمن له القبول؟
إنّ معرفة الذات لا تعني الوصول إلى صورةٍ نهائية لا تتغيّر، ولا التحرّر من كلّ أثرٍ تركه الآخرون؛ إنّها القدرة على مراجعة ما استقرّ فينا، والتمييز بين ما يوسّع إنسانيتنا وما يضيّقها، وبين ما اخترناه بوعي وما احتفظنا به لمجرّد أنّنا ألفناه.
شمعة مضيئة:
فحين يستعير الإنسان ملامحه، لا تكون رحلته الحقيقية في التخلّص من آثار الآخرين، بل في اكتشاف ما فعلته تلك الآثار به؛ أن يأخذ من العالم ما يثريه، دون أن يمنحه حقّ تعريفه كاملًا، وأن يتعلّم من الوجوه التي مرّت به، دون أن ينسى أنّ له حقّ اختيار الوجه الذي يريد أن يمضي به في الحياة.
@Sa_Alaseri