محمد عبدالعزيز الصفيان


لم نكن ندرك أن بعض الأشخاص لا يتركون برحيلهم مقعدًا فارغًا فحسب، بل يغيب معهم دور كان يجمع أفراد الأسرة ويحفظ تماسكها. فقد كان كبارنا أكثر من آباء وأجداد؛ كانوا مرجعًا عند الاختلاف، وملاذًا حين تضيق الحياة، يجمعون المتخاصمين ويصلحون بين المختلفين بكلمات قليلة ومكانة تحظى بالاحترام.
كنا نظن أن كبير العائلة يجلس في صدر المجلس لأنه الأكبر سنًا، ثم أدركنا أن مكانته الحقيقية كانت في قدرته على تحقيق التوازن وتقريب القلوب، وفي حرصه على أن تبقى صلة الرحم أقوى من الخلافات العابرة، وأن تظل أبواب التواصل مفتوحة مهما اختلفت وجهات النظر.
كانت الأسر تجتمع باستمرار، ويتقارب الأبناء وأبناء العمومة كأنهم إخوة، لكن مشاغل الحياة والمسافات وسوء الفهم قد تقلل التواصل، حتى أصبح بعض الأقارب يعرف أخبار بعضهم عبر وسائل التواصل، دون أن يعرفوا ما يمر به الآخر من ظروف أو تحديات. وهكذا قد تتعدد وسائل الاتصال، بينما تتراجع اللقاءات المباشرة التي تمنح العلاقات دفئها وعمقها.
كان كبارنا يلمحون الخلاف قبل أن يتسع، ويحتوون المخطئ قبل إدانته، ويذكرون الجميع بأن صلة الرحم أكبر من الخلاف العابر. وكانوا يختلفون دون قطيعة، ويعاتبون دون هجر، ويسامحون دون منّ. أما اليوم، فقد تتحول كلمة عابرة إلى سبب للابتعاد، ويصبح الاعتذار أصعب من خسارة علاقة عائلية امتدت سنوات.
ومع غيابهم، تبرز أهمية المحافظة على الدور الذي كانوا يؤدونه؛ فالكبير ليس عمرًا متقدمًا أو مكانًا في المجلس، بل حكمة ومسؤولية ومبادرة إلى الإصلاح، وقدرة على التنازل حين يكون ذلك سبيلًا إلى بقاء الأسرة متماسكة. وهذه المسؤولية لا تخص شخصًا واحدًا، بل يمكن لكل فرد أن يسهم فيها، بمبادرة طيبة أو زيارة أو اتصال يعيد التقارب بين الأقارب.
لقد ترك لنا كبارنا إرثًا يتجاوز البيوت والأموال، يتمثل في قيم التسامح والتواصل وصلة الرحم. وتبقى مسؤوليتنا أن نحافظ على هذا الإرث، وأن نغرسه في الأبناء، حتى تستمر الروابط العائلية قوية رغم تغير ظروف الحياة. فالعائلة المتماسكة لا تخلو من الاختلاف، لكنها تمتلك من الوعي والمحبة ما يساعدها على تجاوزه.
ومن بقي في أسرته أب أو أم أو جد أو جدة، فليحرص على الاقتراب منهم، والاستماع إلى أحاديثهم والاستفادة من تجاربهم، وليمنحهم المكانة التي يستحقونها، ومن فقد كبيرًا عزيزًا فليحفظ أثره في سلوكه.. فأجمل الوفاء للكبار ليس استذكارهم فحسب، بل المحافظة على القيم التي عاشوا من أجلها، وصون الروابط التي حرصوا على بقائها.
@alsyfean