نفرح حين نجد طريقًا يختصر علينا الوقت والجهد والمال، وقد نلوم من يسلك طريقًا أطول، ونراه قليل الخبرة أو غير حريص على مصالحه، لكن هل الطريق الأقصر هو الأفضل دائمًا؟
قد يكون، ولكن ليس دائمًا؛ فبعض الطرق القصيرة توفر عليك دقائق في البداية، ثم تأخذ منك أيامًا في معالجة ما ترتب عليها، وبعض القرارات توفر مالًا قليلًا، ثم تفتح بابًا لخسائر كبيرة.
ولذلك، فإن حسن الاختيار يتطلب أن ننظر إلى الطريق حتى نهايته، وأن نحسب كلفة التعثر، كما نحسب مكاسب الوصول.
في سيرة سيد الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم-، عندما سلك طريق الهجرة من مكة إلى المدينة مع الدليل عبدالله بن أريقط، هو وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، لم يتجهوا مباشرة نحو الهدف، بل إنهم، بعد الخروج من الغار، أمعنوا في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجهوا غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصلوا إلى طريق لم يألفه الناس، اتجهوا شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلكوا طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا.
وقد ذكر ابن إسحاق تفاصيل الطريق ومواضعه، وكيف سلك بهما الدليل مسالك غير مألوفة، من عسفان إلى أمج، إلى قديد، إلى الخرّار، حتى قدما قباء.
وفي حياتنا، نحتاج إلى استحضار هذا المعنى؛ فكم من مشروع اختصر أصحابه دراسة الجدوى، فدفعوا أضعاف ما وفروه، وكم من مسؤول استعجل قرارًا قبل استشارة أهل الخبرة، فطال به طريق التصحيح، وكم من طالب بحث عن أسرع وسيلة للنجاح، فحصل على الشهادة وفاته العلم الذي يحتاج إليه بعدها.
إن الوقت الذي تقضيه في التخطيط، والمال الذي تنفقه على المشورة، والجهد الذي تبذله في التعلم، قد توفر عليك خسائر أكبر.
وليس معنى ذلك أن نمدح البطء أو نبرر التعقيد؛ فإطالة الطريق تحتاج إلى سبب، كما أن اختصاره يحتاج إلى بصيرة.
قبل أن تختار طريقك، لا تسأل فقط: متى أصل؟ اسأل أيضًا: ما المخاطر التي سأواجهها؟ وما الذي سأدفعه إن تعثرت؟ فبعض الطرق تختصر لك المسافة، وتطيل عليك المعاناة، وبعضها تمضي فيه مطمئنًا، وإن تأخر الوصول قليلًا.
aldabaan@hotmail.com