لم يعد اجتماع أفراد الأسرة أو الأصدقاء في مكان واحد يعني بالضرورة أنهم يعيشون لحظة مشتركة؛ فقد يجلس الجميع حول مائدة واحدة، بينما ينشغل كل شخص بهاتفه، يتنقل بين الرسائل والصور والمقاطع، وكأن لكل فرد مجلسه الخاص داخل المجلس الواحد. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: كيف نجتمع في المكان نفسه، بينما تتباعد بيننا المسافات؟
لا شك أن التقنية الحديثة أسهمت في تسهيل التواصل، وتقريب البعيد، ومساعدتنا على متابعة تفاصيل حياة من نحب، لكنها في المقابل قد تستحوذ على جزء من الوقت الذي يفترض أن نمنحه لمن يجلسون إلى جوارنا. والمشكلة ليست في استخدام الأجهزة بحد ذاته، بل في أن يتحول استخدامها إلى عادة تقطع الحوار، وتشتت الانتباه، وتضعف قيمة اللقاءات المباشرة.
فاللقاء الاجتماعي ليس مجرد حضور جسدي، بل فرصة للاستماع وتبادل الأفكار ومشاركة التجارب وصناعة ذكريات تبقى في الذاكرة. وقد تكون كلمة عابرة، أو ضحكة مشتركة، أو سؤال صادق عن أحوال الآخرين، أكثر أثرًا من ساعات طويلة يقضيها المرء في متابعة ما يحدث خلف الشاشة.
وتبدأ معالجة هذه الظاهرة من خطوات بسيطة لا تتطلب قرارات معقدة؛ كأن نتفق على إبعاد الهواتف أثناء تناول الطعام، أو تخصيص وقت للحديث دون مقاطعة، أو منح كبار السن والأطفال مساحة أكبر للمشاركة في الأحاديث العائلية.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الابتعاد عن التقنية أو التقليل من فوائدها، وإنما تحقيق التوازن بين التواصل الرقمي والتواصل الإنساني المباشر. فلكل منهما دوره، لكن لا ينبغي أن يحل أحدهما محل الآخر بصورة تفقد العلاقات دفئها.
في النهاية، قد لا نتذكر عدد الرسائل التي قرأناها خلال يومنا، لكننا نتذكر غالبًا من استمع إلينا باهتمام.
rubaa.alasiri@outlook.com