أ.د. محمد شايع الشايع


لم تعد كفاءة المؤسسات تقاس بما تمتلكه من معرفة علمية وتقنيات حديثة فحسب، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسات مؤثرة، وتطوير الكفاءات البشرية، وقياس الأداء، واستشراف احتياجات المستقبل. فالمعرفة الفنية تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بمهارات الاتصال والقيادة، والقدرة على الإقناع وتغيير السلوك وتحديد الاحتياجات ونقل المعرفة.
من هنا تبرز أهمية التكامل بين التخصصات الفنية وعلوم الاتصال والقيادة -Communication Skills and Leadership-، بوصفه مدخلًا لتطوير التأهيل الأكاديمي والمهني دون الحاجة إلى استحداث تخصصات مستقلة. ويقوم هذا التكامل على تعزيز التخصص الفني بمهارات التواصل الفعال، وقيادة التطوير، وتحليل الاحتياجات وقياس الكفاءات. ويبرز ذلك في مجال الإرشاد الزراعي بالجامعات الغربية، الذي أسهم في نقل المعرفة إلى المزارعين وتطوير الممارسات الإنتاجية وتحديد الاحتياجات التدريبية، ويمكن توسيع تطبيقاته لتشمل البيئة والمحميات الملكية والثروة الحيوانية والطب البيطري وسلامة الغذاء والتغذية والإدارة والاقتصاد.
ويؤدي المتخصص في الاتصال والقيادة دورًا يتجاوز نقل المعلومات والتدريب إلى المشاركة في التخطيط والتطوير؛ إذ يستطيع جمع البيانات الكمية والنوعية وتحليلها، واستخدام مؤشرات الأداء لتحديد نقاط القوة والضعف، وتشخيص الفجوات المعرفية والمهارية، وتوجيه الموارد نحو التدخلات الأكثر فاعلية.
وتتحمل أقسام الإرشاد والتوعية مسؤولية تعزيز هذا التكامل بين التخصصات الفنية وعلوم الاتصال والقيادة، وتطوير أساليب نقل المعرفة إلى المجتمع. فالقيمة الحقيقية للعلم لا تقتصر على إنتاج المعرفة ونشر البحوث، بل تمتد إلى إيصال نتائجها للمستفيدين ومساعدتهم على تطبيقها وقياس أثرها في تحسين الممارسات وجودة الحياة، من خلال برامج توعوية ملائمة لاحتياجات الفئات المستهدفة.
ويبدأ التطوير بقياس الاحتياجات التدريبية الفعلية، وتحديد الفجوة بين الكفاءات المتوافرة والمتطلبات المهنية. ويتطلب ذلك التمييز بين المعرفة اللازمة لفهم التخصص، والمهارات الضرورية لأداء المهام، والكفاءات القيادية والسلوكية الداعمة للتواصل والعمل الجماعي واتخاذ القرار. كما ينبغي ألا يقتصر تقييم البرامج التدريبية على رضا المتدربين، بل يشمل قياس اكتسابهم المعارف والمهارات وانتقال أثر التدريب إلى بيئة العمل.
وتتضح أهمية هذا التكامل في قطاعات متعددة؛ ففي الزراعة والثروة الحيوانية، يدعم تطوير الممارسات الإنتاجية وتبني التقنيات الحديثة والأمن الحيوي. وفي المحميات الملكية، يعزز التواصل مع المجتمعات المحلية وبناء الشراكات وقياس أثر التوعية البيئية. أما في سلامة الغذاء والتغذية، فيسهم في تطوير مهارات التواصل والتثقيف، مع الالتزام بمتطلبات التأهيل المهني. كما يدعم في الإدارة والاقتصاد تطوير القيادات وتحسين القرارات المؤسسية.
ولتحقيق ذلك، يمكن للجامعات تطوير الخطط الدراسية وإدماج مقررات تطبيقية في الاتصال والقيادة وتحليل الاحتياجات والبحث العلمي وقياس الأداء، إلى جانب بناء شراكات مع الجهات المستفيدة لتحديد الفجوات المهنية وتصميم برامج مشتركة وتوفير تدريب ميداني يقيس أثر التعلم. ويظل التأهيل الفني أساسًا لا غنى عنه، فيما يعزز الاتصال والقيادة فاعليته.
إن المطلوب مبادرة مؤسسية تجمع المختصين الفنيين وخبراء الاتصال والقيادة والبيانات، لمراجعة الاحتياجات واقتراح المقررات المشتركة وتصميم البرامج التجريبية وقياس نتائجها قبل التوسع فيها. وبهذا التكامل، نحافظ على هوية التخصصات العلمية، ونعزز قدرتها على مواكبة متطلبات التنمية، وتحويل المعرفة إلى أداء أفضل وقرارات أكثر كفاءة وأثرًا مستدامًا.
@Mshayaa45