أ. د. مسفر الوادعي


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم يعد التعليم الجامعي يُقاس فقط بعدد المقررات التي يجتازها الطالب أو حجم المعلومات التي يحفظها، بل بقدرته على مواصلة التعلم، وتوظيف المعرفة، وتطويرها بصورة نقدية ومبتكرة. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الاستدامة المعرفية في تطوير التعليم العالي، وإعداد طالب قادر على التعلم مدى الحياة، وليس فقط خلال سنوات الدراسة الجامعية.
لا تعني الاستدامة المعرفية مجرد تراكم المعلومات أو استرجاعها عند الحاجة، بل تعني بناء عقلية مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات، والبحث المستمر عن المعرفة، وتحويلها إلى قيمة مضافة في الواقع العملي. ويتطلب ذلك تطوير أساليب التدريس التقليدية القائمة على التلقين، والاتجاه نحو نماذج تعليمية تفاعلية تعزز التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم القائم على المشاريع.
ومن أبرز التحديات التي تواجه التعليم الجامعي الفجوة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل؛ إذ يمتلك كثير من الخريجين معرفة نظرية جيدة، لكنهم يفتقرون إلى مهارات توظيفها في مواقف عملية متغيرة. وهنا تبرز أهمية الاستدامة المعرفية، التي لا تقتصر على تزويد الطالب بالمعلومات، بل تمكنه من إنتاج المعرفة وتطويرها باستمرار.
ويبدأ بناء الاستدامة المعرفية لدى طلاب الجامعات بإعادة صياغة دور عضو هيئة التدريس، ليكون موجهاً ومرشداً أكثر من كونه ملقناً. كما يتطلب دمج التقنيات الحديثة في العملية التعليمية، مثل منصات التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات المفتوحة، بما يساعد الطالب على الوصول إلى مصادر متعددة، ومقارنتها وتحليلها، واستخدامها بوعي نقدي.
ويحتاج تعزيز هذه القيمة إلى بيئة جامعية محفزة على البحث والاكتشاف، تشجع المبادرات الطلابية، وتدعم المشاريع البحثية، وتتيح للطلبة المشاركة في معالجة قضايا واقعية من المجتمع. فعندما يرتبط التعلم بالسياق الاجتماعي والاقتصادي، تتحول المعرفة من مادة نظرية إلى أداة تسهم في التنمية والتطوير.
ومن الجوانب المهمة أيضاً تعزيز مهارات التعلم الذاتي؛ فالتغير المتسارع يجعل المعارف والمهارات بحاجة مستمرة إلى التحديث. لذلك، أصبحت قدرة الطالب على البحث عن مصادر جديدة، واكتساب المعرفة، وتطوير ذاته باستقلالية، من أهم مخرجات التعليم الجامعي الناجح.
ولا يمكن إغفال دور الثقافة المؤسسية للجامعة في ترسيخ هذا المفهوم، إذ ينبغي أن تتحول إلى بيئة تعلم مستدامة تمتد فيها المعرفة إلى المختبرات والمكتبات الرقمية والأنشطة اللاصفية والشراكات مع القطاعين العام والخاص، بما يسهم في بناء عقلية معرفية قادرة على التطور المستمر.
إن الاستثمار في الاستدامة المعرفية هو استثمار في الإنسان ومستقبل التنمية؛ فالمجتمعات التي تمتلك أفراداً قادرين على إنتاج المعرفة وتطويرها تكون أكثر قدرة على المنافسة والابتكار. ومن هذا المنطلق، تؤدي الجامعات دوراً محورياً في إعداد جيل لا يستهلك المعرفة فحسب، بل ينتجها ويوظفها بما يخدم مجتمعه ووطنه.
وفي الختام، لم يعد تعزيز الاستدامة المعرفية لدى طلبة التعليم الجامعي خياراً تربوياً، بل ضرورة تفرضها متطلبات العصر. فالمعرفة متجددة باستمرار، والقدرة على تطويرها أصبحت أساساً لمواكبة التحولات وصناعة المستقبل. ومن هنا، تبرز أهمية أن تكون الجامعة منصة لإعداد العقول المنتجة والمبدعة، لا مجرد مؤسسة لمنح الشهادات.
@mesfer753