رُوي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال: «إذا وعظت فأوجز، فإن كثرة الحديث يُنسي بعضه بعضًا». وهذا واضح المعنى؛ لأن الإنسان لا يستطيع التركيز على عدة نقاط معًا. ولذلك، تجد في بعض الاجتماعات المهنية من يقول قبل نهاية الجلسة: دعونا نلخص ما اتفقنا عليه. ولكن في المقابل، فإن تكرار الحديث عن موضوع واحد وتناوله بطرق متعددة يجعلان الفكرة راسخة في العقل، وقد تتحول مع كثرة الترديد إلى قناعة شبه ثابتة. ومن أمثلة ذلك الموروث الذي يتردد على مسامعنا منذ الصغر، فترسخ قناعات بشأنه دون الحاجة إلى أدلة أو براهين، وتتحول المسألة إلى اقتناع عاطفي.
من الموضوعات التي يتكرر الحديث عنها استسهال الطلاق، وتصوير الحياة بعده على أنها وردية، مليئة بالراحة والاستقلالية والحرية، وهو ما يظهر في العديد من مقاطع الفيديو المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يظل من المهم طرح سؤال جوهري: ما حجم السعادة التي يشعر بها الأشخاص بعد الانفصال، وما الإحصاءات التي يمكن الاستناد إليها للإجابة عن هذا السؤال بعيدًا عن العاطفة والمبالغة في تصوير التجارب الفردية؟
وسوف أعطي مثالًا بسيطًا: لو أنك تعمل في شركة مع زميل لك، ثم غادر عمله وطُلب منك تحمل جميع مهامه إلى جانب مهامك، فهل ستكون سعيدًا لأنك أصبحت تؤدي عمل شخصين؟ ستصبح أكثر انشغالًا وتحملًا للأعباء، وقد لا تجد وقتًا كافيًا لنفسك. وينطبق ذلك، إلى حد ما، على الحياة الزوجية؛ إذ يتقاسم الزوجان المسؤوليات وفقًا لظروفهما وقدراتهما، وعندما يختل هذا التوازن قد تظهر تحديات لم تكن في الحسبان، ما يستدعي التفاهم وإعادة تنظيم الأدوار.
لذلك، أرى أهمية التعامل بوعي مع الخطاب الذي يصوّر الطلاق باعتباره حلًا مثاليًا لكل المشكلات الزوجية، أو يقدم الحياة بعده بصورة وردية مطلقة، دون التطرق إلى التحديات المحتملة. فالتجارب تختلف من شخص إلى آخر، ومن المهم ألا تتحول التجارب الفردية إلى أحكام عامة، وألا تؤثر الرسائل المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي في القرارات المصيرية دون تفكير متأنٍ.
ولا بد أن ينتبه القارئ إلى أن الأطفال قد يتأثرون بالانفصال الأسري، وأن من المهم أن يضع الأب والأم مصلحتهم في مقدمة الاعتبارات، مع الحرص على توفير بيئة مستقرة وآمنة لهم، والابتعاد عن تغليب المصلحة الشخصية على احتياجاتهم. وفي المقابل، ينبغي إدراك أن استمرار الخلافات الأسرية قد يؤثر في الأطفال أيضًا، وأن المعيار الأساسي هو تحقيق مصلحتهم في مختلف الظروف.
صحيح أن قرار الانفصال أو الطلاق قد يكون في بعض الحالات ضرورة لا مفر منها، لأنه قد يكون الخيار الأقل ضررًا. لكن المشكلة تكمن في تعميم تجارب محدودة وجعلها قاعدة عامة، أو افتراض أن تجربة واحدة تصلح للحكم على جميع الزيجات؛ فالحالات تختلف باختلاف ظروفها، ولا يصح اتخاذ الحالات الاستثنائية معيارًا للحكم على العلاقات الزوجية.
والحقيقة أن الحياة ليست وردية في كل الأحوال، وأن بعض التضحيات المتبادلة بين الزوجين قد تمنح الحياة الأسرية مزيدًا من الاستقرار والرضا، ما دامت قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل، ولا تتعارض مع سلامة أي من الطرفين وحقوقه.
@abdullaghannam